الرئيسية | دراسات أُسس | الأسر المنتجة ودورها في التنمية الاقتصادية للمجتمع

الأسر المنتجة ودورها في التنمية الاقتصادية للمجتمع

10 أبريل 2026
د. لينا محمد أحمد عبدالجبار العبسي

الملخص

يهدف هذا البحث إلى تحليل دور الأسر المنتجة في تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع. ولتحقيق هذا الهدف، تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي، وذلك للتعرف على واقع الأسر المنتجة، وطبيعة المشاريع التي تنفذها، والجهات الداعمة لها، والآليات الممكنة لتمكينها اقتصاديًا. يستعرض البحث عددًا من التجارب الدولية في مجال دعم الأسر المنتجة، ولا سيما في إيطاليا، والهند، وكوريا الجنوبية للاستفادة من ممارساتها الناجحة.

وقد توصل البحث إلى عدد من النتائج المهمة، منها:

أن مشاريع الأسر المنتجة أسهمت في تحسين الأوضاع المعيشية للأسر اليمنية، لا سيما من فقدت مصادر دخلها، وأن هذه المشاريع اتسمت بالتنوع تبعًا لعوامل أبرزها: البيئة الجغرافية واحتياجات المجتمع المحلي. إضافةً إلى ذلك، فقد أظهرت النتائج أن دعم وتمكين الأسر المنتجة يُعد ضرورة ملحّة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، كما بينت أيضًا أن الدول المتقدمة قامت بدمج مشاريع الأسر المنتجة ضمن رؤى تنموية شاملة، في حين لا تزال هذه المشاريع في اليمن تواجه تحديات تحد من فاعليتها الاقتصادية.

الكلمات المفتاحية: الأسر المنتجة، التنمية الاقتصادية، الحماية الاجتماعية، اليمن.

Abstract

This research aims to analyze the role of business families in achieving the economic development of society. In order to achieve this goal, the descriptive-analytical method is used to identify the reality of business families, the nature of the projects they carry out, the supporting entities, and the possible mechanisms that empower them economically. The research also reviews a number of international experiences in the field of supporting business families, particularly in Italy, India, and South Korea, in order to benefit from their successful practices.

This research has a number of important results, including:

Business family projects have contributed to improving the living conditions of Yemeni families, especially those who have lost their sources of income. These projects are characterized by diversity according to factors, most notably: the geographical environment, and the needs of the local community. In addition, the results show that supporting and empowering business families is an urgent necessity in light of the current economic and social challenges. Developed countries have integrated business family projects within their comprehensive development visions, while these projects in Yemen still face challenges that limit their economic effectiveness.

Keywords: Business families, economic development, social protection, Yemen.

1. الإطار العام للبحث

1-1. مقدمة

تُعد الأسرة الوحدة الأساسية التي تتكون منها المجتمعات، وبها ينمو المجتمع ويتطور ويتقدم، فهي الحاضنة الأولى للأفراد، والمصدر الرئيس لإشباع احتياجاتهم المختلفة، بما فيها الاحتياجات التربوية، والاقتصادية، والاجتماعية والنفسية. لقد لعبت الأسرة اليمنية عبر التاريخ أدوارًا محورية في الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي، واستمرارية القيم والتقاليد من خلال ما تقوم به من وظائف تربوية، واقتصادية، وأخلاقية، وتعليمية ساهمت في استقرار المجتمع وتوازنه.

وفي البيئة اليمنية تحديدًا، ونتيجة لطبيعة الحياة العامة للأفراد، امتازت الأسرة بالتكافل الداخلي، وقيامها بأدوار شاملة في تربية الأبناء، وتعليمهم وتدريبهم على الحرف والمهن، وتأمين سُبُل العيش، لا سيما في المجتمعات الريفية التي يغلب عليها الطابع الزراعي والأسري المشترك في العمل والإنتاج.

ومع تطور الحياة وتعقدها، بدأت الكثير من الأسر تفقد بعضًا من هذه الأدوار في ظل التغيرات الحديثة التي أثرت على شكل الأسرة ووظائفها نتيجةً للتحول إلى أنماط معيشية أكثر تعقيدًا، وتوسع الدور المؤسسي الرسمي في التعليم، والتأهيل، والرعاية. علاوةً على ذلك، ساهمت الأزمات السياسية والاقتصادية، وظواهر كالنزوح، والهجرة، والفقر، والبطالة في تفاقم التحديات التي تواجه الأسرة اليمنية، مما زاد من هشاشتها.

وفي ظل هذه التحولات، برزت الحاجة إلى إعادة بناء الأسرة داخل منظومة التنمية المستدامة، باعتبارها عنصرًا حيويًا قادرًا على المساهمة في التخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال تمكينها اقتصاديًا، وتشجيع مشاريع الأسر المنتجة، وتوفير الدعم الفني والتدريبي، وتهيئة بيئة مجتمعية محفزة.

إن تمكين الأسرة اليوم، في ظل التحديات القائمة، لم يعد خيارًا، بل ضرورة تنموية ملحة لاستعادة الأسرة لأدوارها الحيوية في تعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي، والمشاركة في تحقيق التماسك المجتمعي المنشود، وإعادة البناء والإعمار، والمساهمة الجادة في عملية التنمية.

2-1. مشكلة البحث وتساؤلاته

تعاني العديد من الدول النامية من مشكلات اقتصادية جمة كالفقر، والبطالة، وانخفاض مستوى دخل الفرد، بالإضافة إلى غياب مفهوم التنمية المستدامة، والشراكة المجتمعية، وتفعيل رأس المال، وغيرها. وتشير التقديرات إلى أن نحو ملياري نسمة أو ما يعادل ثلث سكان الكرة الأرضية يعيشون دون خط الفقر؛ فنصيب الفقير من الثروة العالمية يقل عن دولارين في اليوم، وذلك بسبب عدم توفير الفرص والمهارات للفقراء لتحسين وضعهم الاقتصادي. ومع مرور الوقت، يبدو أن مشكلة الفقر تتفاقم وتزداد يومًا بعد يوم، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب، منها: الزيادة الطبيعية في عدد السكان، ونقص الموارد وشحة الإمكانيات في بعض الدول، ووجود معوقات اجتماعية - ثقافية تكرس البطالة والفقر من خلال تصنيف بعض المهن بأنها مقبولة أو غير مقبولة اجتماعيًا[1].

يواجه المجتمع اليمني اليوم إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم نتيجةً لجملة من العوامل، أبرزها: الحروب المستمرة، والصراعات السياسية، والطائفية، والمناطقية، وحالة الفوضى المنتشرة في المجتمع والتي ألقت بظلالها على مختلف مناحي الحياة. وفي الوقت الذي تسعى فيه المجتمعات المتقدمة إلى تمكين أفرادها، وتحقيق مشاركة فاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتنمية رأس المال البشري، يواجه المجتمع اليمني تحديات متزايدة تُعيق فرص النمو والتعافي، وتُفاقم من المعاناة اليومية للمواطنين. لقد أسفرت هذه الأزمات عن تدهور حاد في مؤشرات التنمية، وتركت مئات الآلاف من الأسر اليمنية في وضع معيشي ينذر بمزيد من الانهيار يومًا بعد يوم وفقًا للإحصائيات والمؤشرات الدولية والمحلية.

تعاني الأسرة اليمنية من الفقر المدقع، والبطالة، وتدني مستويات الدخل، إلى جانب الارتفاع المتصاعد في أسعار السلع والخدمات، وانقطاع المرتبات في شمال البلاد أو ضعفها في جنوبه، ما دفع بالكثير من الأسر إلى البحث عن بدائل اقتصادية لتأمين سُبُل العيش، ومن بينها الدخول في أنشطة إنتاجية بسيطة ومتوسطة كمصدر دخل رئيس أو رديف لمواجهة كل هذه الأزمات والمشكلات.

وعلى الرغم من هذا التوجه الذي كان في معظمه انطلاقًا من مبدأ الحاجة، لا تزال مساهمة الأسر المنتجة في اليمن محدودة وفي أطرها الضيقة، بسبب غياب السياسات الداعمة، وشح الموارد، وافتقار البيئة الحاضنة للمشاريع المنزلية والمجتمعية، مقارنة بما تحققه الأسر المنتجة في دول أخرى من أثر ملموس في خفض معدلات البطالة، وزيادة الدخل القومي، ودفع عجلة التنمية.

ومن هنا، تظهر إشكالية هذا البحث من خلال التساؤل الرئيس الآتي: ما هو دور الأسر المنتجة في تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع؟ ومن هذا التساؤل الرئيس، تظهر لدينا عدة تساؤلات فرعية، وهي:

  1. ما هي سياسات الحماية الاجتماعية المنظمة للأسرة اليمنية؟
  2. ما أبرز مشاريع الأسر المنتجة في اليمن؟
  3. ما أهم الجهات الرسمية المانحة والداعمة للأسر اليمنية المنتجة؟
  4. ما السُبُل الممكنة لتمكين مشاريع الأسر المنتجة في اليمن؟
  5. ما هي الدروس المستفادة من التجارب العالمية الناجحة في مجال الإنتاج الأسري؟
  6. كيف يمكن تحليل واقع الأسر المنتجة في اليمن في ضوء التجارب العالمية الرائدة؟

3-1. أهمية البحث

تكمن أهمية هذا البحث في تناوله لقضية مهمة ترتبط بتحسين مستوى المعيشة للأسرة اليمنية، ودعم الاقتصاد المحلي وعملية التنمية في المجتمع. كما تظهر أهميته في النواحي النظرية - العلمية، والنواحي التطبيقية - العملية، وذلك على النحو الآتي:

1-3-1. الأهمية النظرية العلمية

  1. تسليط الضوء على سياسات الحماية الاجتماعية للأسرة المنتجة في اليمن.
  2. تحديد السُبُل الفعالة لتمكين مشاريع الأسر المنتجة في اليمن بما يعزز فهم بنية الأسرة اليمنية في المجتمع.
  3. رفد الباحثين والمهتمين بالبحث العلمي بدراسات وأبحاث حول الأسر المنتجة في المجتمع اليمني بما يُسهم في سد حاجة بحثية مهمة في هذا المجال.

2-3-1. الأهمية النظرية التطبيقية

  1. تحليل واقع الأسر المنتجة في اليمن ابتداءً من الأسرة، ووصولًا إلى الدولة، وانتهاءً بالجهات الداعمة والمانحة.
  2. تقديم نماذج وتجارب عالمية ناجحة يمكن الاستفادة منها في تحسين واقع الأسر المنتجة في المجتمع اليمني.
  3. رفد المهتمين وصناع القرار بجملة من الحلول والمعالجات التي تُسهم في دعم الأسر المنتجة وتمكينها اقتصاديًا؛ ما ينعكس بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية في المجتمع.

4-1. أهداف البحث

يهدف هذا البحث بشكل عام إلى التعرف على دور الأسر المنتجة في تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع. ومن هذا الهدف الرئيس، يتفرع عدد من الأهداف الفرعية، منها:

  1. التعرف على سياسات تنظم الحماية الاجتماعية للأسرة اليمنية.
  2. استعراض أبرز مشاريع الأسر المنتجة في اليمن.
  3. التعرف على الجهات الرسمية المانحة والداعمة للأسر اليمنية.
  4. تحديد السُبُل الفعالة لتمكين مشاريع الأسر المنتجة في اليمن.
  5. تسليط الضوء على بعض التجارب العالمية الرائدة في مجال الإنتاج الأسري.
  6. تقديم قراءة تحليلية لواقع الأسر المنتجة في اليمن في ضوء التجارب العالمية.

5-1. منهج البحث

اعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، والذي يُعد من أهم المناهج الاجتماعية المستخدمة في مثل هذه الموضوعات البحثية. استفادت الباحثة من هذا المنهج في دراسة واقع الأسر المنتجة في اليمن، وإظهار السُبُل التي تمكنها من المشاركة الفعالة في المجتمع، بالإضافة إلى تحليل تجارب بعض الدول الرائدة في هذا المجال بهدف إيجاد العلاقة بين الأسر المنتجة والتنمية الاقتصادية للمجتمع.

6-1. حدود البحث

  1. الحدود الموضوعية: الأسر المنتجة ودورها في التنمية الاقتصادية للمجتمع.
  2. الحدود المكانية: الجمهورية اليمنية.
  3. الحدود البشرية: الأسر المنتجة في الجمهورية اليمنية.
  4. الحدود الزمنية: الفترة من 1990م وهي فترة تحقيق الوحدة، وحتى العام 2026م.

7-1. مفاهيم ومصطلحات البحث

1-7-1. مفهوم الأسر المنتجة

يشير مصطلح «الأسر المنتجة» إلى أصحاب المهن الصغيرة، مثل: الحرفيين، والمهنيين، وصغار المنتجين، والذين ليس لديهم رأس مال. تتكون الأسر المنتجة من الأفراد أو الجماعات داخل إطار الأسرة الواحدة، ويمارس فيها الفرد أو الجماعة عملًا لإيجاد منتج معين أو عائد ملموس.

كما تُعرف الأسرة المنتجة بأنها: أسرة تمتلك دخلًا محدودًا، ورغبة في استغلال قدراتها وإمكاناتها في الإنتاج لتحسين مستوى المعيشة وفق شروط معينة[2].

وتعرف الأسر المنتجة أيضًا بأنها: كل أسرة ذات دخل محدود لديها القدرة والرغبة في استثمار طاقاتها وقدراتها في الإنتاج لتحسين المستوى المعيشي، والتحول من أسرة مستهلكة إلى أسرة منتجة معتمدة على نفسها[3].

ويمكن تعريف الأسرة المنتجة بأنها: مشروع اجتماعي يهدف إلى استثمار جهود الأسرة لتحويلها إلى وحدة إنتاجية لبناء مجتمع من المنتجين، والعمل على زيادة قدرة وكفاءة الأسرة ماديًا، وتأهيلها وتدريبها لإكسابها مهارات حِرفية ويدوية للعمل على زيادة دخلها[4].

والأسر المنتجة كذلك: وحدة بناء اجتماعي مكونة من زوج، وزوجة، وأبناء قادرين على إنتاج خدمة، أو تجارة، أو صناعة سواءٌ بطريقة حديثة (آلية)، أو تقليدية (يدوية)، أو تطوير صناعة قائمة بطرق إبداعية أو مبتكرة. وتتضمن مشاريع الأسر المنتجة حِرف وأنشطة متوارثة أو مكتسبة نابعة من الأسرة أو المجتمع المحلي لتحقيق دخل اقتصادي يلبي الاحتياجات المعيشية[5].

ويمكن تعريف الأسر المنتجة إجرائيًا بأنها: الأسر التي تعتمد على نفسها في إيجاد مصادر دخل بديلة ودائمة تُسهم في تلبية احتياجاتها المتنوعة، وذلك بهدف رفع مستوى معيشتها وتحسين ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

2-7-1. مفهوم التنمية الاقتصادية

كما تعرف التنمية الاقتصادية بأنها: تقدم المجتمع عن طريق استنباط أساليب إنتاجية جديدة لرفع مستويات الإنتاج من خلال إنماء المهارات والطاقات البشرية، وخلق تنظيمات أفضل، فضلًا عن زيادة رأس المال المتراكم في المجتمع[6].

وهي أيضًا: كل السياسات، والإجراءات، والخطط التطويرية المتبعة من أجل الانتقال من وضع اقتصادي إلى وضع آخر أفضل منه، من خلال استغلال الموارد المتاحة في تنويع الأنشطة الاقتصادية[7].

تُعرَّف التنمية الاقتصادية بأنها: توسيع القدرات التي تُسهم في تقدم المجتمع من خلال تحقيق إمكانات الأفراد، والشركات، والمجتمعات. تمثل التنمية الاقتصادية زيادة مستدامة في الرخاء وجودة الحياة، وتتحقق من خلال الابتكار، وخفض تكاليف المعاملات، واستخدام القدرات في الإنتاج المسؤول، ونشر السلع والخدمات. تتطلب التنمية الاقتصادية مؤسسات فعّالة قائمة على معايير الانفتاح، وتقبّل المخاطر، وتقدير التنوع، والثقة في تحقيق المنفعة المتبادلة للقطاعين العام والخاص[8].

ويمكن تعريف التنمية الاقتصادية إجرائيًا بأنها: مجموعة الجهود التي تبذلها الأسر داخل المجتمع، سواءٌ كانت فردية أو جماعية، لاستغلال الموارد البشرية والإمكانيات المادية بشكل فعال، بهدف تحقيق زيادة مستدامة في معدلات النمو الاقتصادي، ورفع مستويات الدخل، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية التي تواجه المجتمع.

3-7-1. مفهوم المجتمع

يعرف المجتمع بأنه: نوع من النظم الاجتماعية التي تتسم بأعلى مستوى من الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالبيئة، كما هي في النظم الاجتماعية الأخرى[9].

كما يُعرَّف المجتمع بأنه: مجموعة من الناس يعيشون في بقعة جغرافية معينة، ويجمع بينهم إطار ثقافي، واجتماعي، واقتصادي معين، بُغية تحقيق غايات وأهداف مشتركة فيما بينهم[10].

ويعرَّف أيضًا بأنه: مجموعة من الناس يتشاركون نفس الحدود الجغرافية ونفس الخصائص المحددة كاللغة، والثقافة، وغيرها[11].

ويمكن أن نُعرّف المجتمع إجرائيًا بأنه: ذلك الوسط الجغرافي الذي يضمّ مجموعة من الأفراد داخل إطاره، ويحدث فيه عدد من العمليات الاجتماعية كالتفاعل، والتواصل، والتأثر المتبادل، بفعل وجود أنشطة اجتماعية، واقتصادية، وثقافية مشتركة ومتعددة، تُسهم في بقاء الحياة الاجتماعية واستمراريتها.

2. الأسر المنتجة في اليمن

1-2. الحماية الاجتماعية للأسرة اليمنية

يمثل نظام الحماية الاجتماعية في اليمن أحد أهم الأساليب المستخدمة في تقديم الخدمات الاجتماعية للأسر لا سيما الأسر الفقيرة منها والمحتاجة. لقد أولى التشريع اليمني اهتمامًا خاصًا بالأسرة بما يضمن تحسين أوضاعها لا سيما الأوضاع الاقتصادية التي تمثل أحد أهم تحديات الأسرة اليمنية في ظل الأوضاع الحالية. نصت التشريعات والقوانين اليمنية على مجموعة من سياسات الحماية الاجتماعية للأسرة، حيث أكد الدستور اليمني على منح الأسرة حماية اجتماعية كحق أساسي، فنصت المادة (105) فيه على أن: لكل مواطن الحق في الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي في حالات المرض، العجز، البطالة، الشيخوخة، أو فقدان عائل الأسرة، وتُلزم الدولة بإصدار القوانين والتدابير الكفيلة بضمان هذا الحق. كذلك نصت مواد أخرى في الدستور على وجوب كفالة حقوق اجتماعية أخرى، مثل: الحق في الصحة، التعليم، السكن، والمساعدة الاجتماعية التي تشكل أساسًا لحماية الأسر.

أما قانون الرعاية الاجتماعية رقم (31) لسنة 1996م، وهو القانون الرئيس للحماية الاجتماعية في اليمن، فقد حدد هذ القانون في المادة (3) أهدافًا من شأنها تحسين ورفع مستويات الأسرة بشتى مجالاتها، ومن هذه الأهداف ما يأتي:

  • الإسهام في تقديم المساعدة العينية والنقدية للمحتاجين من الأسر والأفراد لرفع المستوى المعيشي والاجتماعي لذوي الحاجة، ومحاربة العادات والسلوكيات السيئة التي يمكن أن تنشأ كالتواكل، والاعتماد على مساعدة الدولة، والتسول، والتشرد، وغيرها من العادات السيئة.
  • تأمين الرعاية والحماية للأفراد والأسر المشمولة بالمساعدات الاجتماعية من ذوي الحاجة والعوز من مخاطر الانحراف الاجتماعي.
  • تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي للمحتاجين بكل أشكال المساعدة العينية، والنقدية، والتأهيلية، وتوفير الوسائل الكفيلة بتهيئتهم للعمل النافع في المجتمع.
  • توجيه الإمكانيات المتاحة نحو تنمية الطاقات البشرية المعطلة، وتأهيلها أو إعادة تأهيلها، وتأمين التحاقها بالأعمال ومشاركتها في بناء المجتمع.
  • تعزيز قيم التعاون الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وتعزيز التكافل بين أفراد المجتمع عبر دعم علاقات المحتاجين بذويهم، وحماية أواصر القرابة والتماسك الاجتماعي في الأسرة اليمنية.
  • الإسهام في مساعدة الأفراد والأسر في حالة تعرضهم للكوارث والنكبات الفردية والعامة، وتمكينهم من التغلب على المصاعب والمشكلات المترتبة عن هذه الكوارث[12].

كل هذه الأهداف التي تبناها قانون الرعاية الاجتماعية شملت الأفراد والأسر الذين هم في أمس الحاجة أو في وضع يتطلب التدخل، والمساعدة، والحماية الاجتماعية، بما يمكنهم من مواجهة هذه الظروف وتجاوزها إلى وضع يكون أفضل حالًا.

وإذا كانت هذه التشريعات ضمن السياسات القانونية الموجهة بشكل مباشر لتوفير الحماية الاجتماعية للأسرة، فهناك العديد من التشريعات التي أولت الأسرة اهتمامًا خاصًا بشكل غير مباشر، مثل: قانون التأمينات الاجتماعية رقم (26) لسنة 1991م والذي يوفر حماية في حالات المرض، العجز، الوفاة، والمصاريف الطبية والعلاجية كجزء من نظام الحماية الاقتصادية للأسر المحتاجة والمعوزة. كما أنه بعد حرب صيف 1994م، تزايدت الأزمة الاقتصادية للمجتمع اليمني، ما أدى إلى تدهور شديد للمعيشة الاقتصادية للسكان، وهذا ما جعل الحكومة حينها تتبنى سياسات الإصلاح الاقتصادي، والمالي، والإداري في العام 1995م لمعالجة الأزمة الاقتصادية، فجرى إنشاء شبكة الأمان الاجتماعي لمواجهة الآثار الاقتصادية المترتبة على التدهور الاقتصادي، والتي ركزت على الفئات الأكثر فقرًا واحتياجًا. علاوةً على ذلك، تم تعديل العديد من التشريعات والقوانين الخاصة بمجال الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي قبل إطلاق استراتيجية التخفيف من الفقر لعام 2002م[13].

وكإحدى الأسس العملية لتطبيق قانون الرعاية الاجتماعية في اليمن، تم إنشاء البرنامج الوطني لتنمية المجتمع والأسر المنتجة في الجمهورية اليمنية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (52) لعام 1992م؛ وبعده بعام واحد، صدر قرار وزير التأمينات والشؤون الاجتماعية بتبعية مراكز تنمية المجتمع في المحافظات الجنوبية ومراكز تنمية الأسرة في المحافظات الشمالية للبرنامج، وتوحيد تسميتها تحت اسم مراكز الأسر المنتجة وتنمية المجتمع.

جاء البرنامج الوطني لتنمية المجتمع والأسر المنتجة لتلبية الاحتياج في مشروع الضمان الاجتماعي أو الرعاية الاجتماعية؛ حيث يقوم هذا البرنامج بتقديم خدمات التدريب والتأهيل في مجالات متعددة مُدرة للدخل للأسر الفقيرة، كما أنه قد قطع شوطًا لا بأس به من حيث إعداد أعدادٍ كبيرة من الفئات المستهدفة من الأسر الفقيرة وفي مقدمتها الأسر المشمولة بالضمان الاجتماعي. ويلاحظ أن البرنامج قد انتهج سياسة التركيز على عملية الكيف لا الكم، لا سيما في فترات الاستقرار السياسي التي مر بها المجتمع اليمني بعد حرب صيف 1994م؛ الأمر الذي ظهر في عدد المُلتحقات بمراكز تنمية المجتمع والأسر المنتجة التابعة له، حيث واجهت المتدربات صعوبات في فترات سابقة عند نزولهن إلى ميدان العمل لتنفيذ الأعمال الإنتاجية، ولعل هذا ما دفع البرنامج إلى الاستعانة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي قام بإعداد (11) منهجًا من أجل رفع مستوى المهارات الفنية لدى الخريجات، إلى جانب رفع المستوى الفني لدى المدربات اللاتي يقمن بتدريب وتأهيل الملتحقات بالمراكز التابعة للبرنامج والبالغ عددها آنذاك (67) مركزًا في عموم محافظات الجمهورية اليمنية. وبعد تحليل طريقة إدارة مراكز البرنامج الوطني لتنمية المجتمع والأسر المنتجة، وُجد أن إدارة كل مركز من المراكز المشار إليها كانت مخولة باختيار الأسر ذات الأولوية في التدريب. كانت هناك توجيهات من قبل البرنامج بأن تُعطى الأولوية لمن يتم رفع أسمائهن من قبل صندوق الرعاية الاجتماعية أو الجهات الممثلة له، وتأتي بعد ذلك الأسر التي يَثُبت فقرها في حال وجود مجال للاستيعاب. ومع أن البرنامج لا يمتلك حتى الآن الإمكانية التي تخوله للقيام بعمل التقصي حول ما إذا كان هذا التدريب يحقق أهدافه المرجوة منه أم لا، إلا أن هناك استقصاءات بسيطة يقوم بها البرنامج أظهرت مؤشراتها أن كثيرًا من تلك الأسر أصبحت في أحسن حال من خلال قيامها بأعمال إنتاجية في مجال الخياطة والتطريز اليدوي والآلي، والمشغولات اليدوية، والنسيج وصناعة السِجاد اليدوي، والتدبير المنزلي والصناعات الغذائية، والنحت والزخرفة، وتربية النحل، وصناعة الفخار، والصناعات الخزفية، وحياكة المعاوز، وغيرها، جنبًا إلى جنب مع إقامة معارض وفعاليات بشكل متواصل من أجل الترويج لهذه الأعمال الإنتاجية وتسويقها[14].

كل هذه الجهود التشريعية، والإجراءات، والسياسات مثلت محاولات جادة من قِبل الدولة لتحقيق الحماية والرعاية الاجتماعية للأسرة اليمنية، وذلك في فترات كانت أكثر استقرارًا مما نحن عليه اليوم. ورغم بقاء هذه السياسات قائمة حتى الآن، إلا أنها تواجه في الوقت الراهن تحديات كبيرة تعيق فاعلية تطبيقها، لا سيما مع تزايد أعداد الأسر، واتساع حجم احتياجاتها في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة؛ الأمر الذي يستدعي تكثيف الجهود، وتفعيل شراكات وطنية ودولية عاجلة لضمان تمكين هذه الأسر، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية التي تحتاج إليها.

2-2. مشاريع الأسر المنتجة في اليمن والهيئات الداعمة لها

تُعد مشاريع الأسر المنتجة إحدى أهم الآليات التي تم ابتكارها لمواجهة مشكلة الفقر وآثارها الكبيرة على الأسرة. تهدف هذه الآلية إلى تمكين الفقراء النشطين اقتصاديًا عبر الحصول على التمويل اللازم لتحريك نشاطهم وتوسيع فرص حصولهم على الدخل. تستهدف الآلية عددًا واسعًا من أفراد المجتمع في ظل تبني الدولة لهذه السياسات كإحدى المعالجات العاجلة والممكنة لمشكلة الفقر، فالراغبون في العمل من العاطلين الذين لا يجدون فرص عمل يجدون ضالتهم فيها، وكذلك محدودو الدخل من العاملين، والحرفيين، وأصحاب المهن والأنشطة الأخرى، وهي فئات تستفيد من الخدمات التي تقدمها مشاريع الأسر المنتجة.

تعمل مشاريع الأسر المنتجة على تقديم خدمات اقتصادية متمثلة في التمويل، وأخرى اجتماعية متمثلة في نتائج تلك المشاريع ودورها في تخفيف حدة الفقر للأسر المستفيدة من تلك المشاريع وذلك عبر زيادة دخل الأسر الفقيرة، مما يمكنها من مواجهة احتياجاتها الأساسية من صحة، وتعليم، ومأوى، وملبس، وغيرها من الخدمات الأخرى[15].

لقد أثبتت هذه المشاريع جدواها لدى كثير من الأسر التي انقطعت بها السُبُل، لا سيما بعد فترة الحرب الدائرة منذ العام 2015م وحتى الآن، ولا يزال الوضع ضبابيًا وغير واضح المعالم فيما يمكن أن ينتهي إليه سواءٌ في شمال البلاد أو جنوبه.

ويمكن أن نشير هنا إلى بعض نماذج هذه المشاريع، وذلك كما في الشكل الآتي:

شكل (1)
يوضح مشاريع الأسر المنتجة وأمثلة عليها
صورة الشكل 1
الشكل من تصميم الباحثة[16]

من خلال الشكل رقم (1)، يتضح لنا أن مشاريع الأسر المنتجة في اليمن تتسم بتنوعها وتعددها، ويعتمد تصنيفها وطبيعتها على مجموعة من العوامل الرئيسة، وفي مقدمتها البيئة الجغرافية التي يُنفذ فيها المشروع، والتي تفرض احتياجات ومتطلبات خاصة تؤثر في نوع النشاط الملائم، وبما يُسهم في سد جانب من الاحتياج لأفراد المجتمع. علاوةً على ذلك، يلعب مستوى المهارات والخبرات التي تمتلكها الأسرة دورًا حاسمًا في اختيار مجال المشروع وطريقة بنائه على أساس متين، سواءٌ من خلال الخبرات المتناقلة عبر الأجيال، أو عبر الالتحاق ببرامج تدريبية وتأهيلية يتلقاها الأفراد بشكل فردي أو جماعي، إلى جانب حجم الدعم المقدم من الجهات المختلفة والذي يحدد نوعية المشروع، ومدى توسعه، وعدد الأفراد الملتحقين به، ومقدار العائد الاقتصادي المتوقع منه.

وإذا ما تحدثنا هنا عن الجهات الداعمة لمشاريع الأسر المنتجة في اليمن، نجد مساهمة الآليات الوطنية كالصندوق الاجتماعي للتنمية، ومشروع الأشغال العامة والمؤسسات التابعة له في التمكين الاقتصادي للعديد من الشباب ودعم ريادة الأعمال؛ الأمر الذي أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي وتوفير مصادر دخل للعديد من الشباب والنساء من خلال هذه المشاريع، والمبادرات، وبرامج النقد مقابل العمل، وتقديم التمويل بضمانات معينة من بنك الأمل للتمويل الأصغر، ومؤسسة آزال للتمويل الصغير والأصغر، والمؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر، وغيرها. حيث تستهدف برامج سُبُل العيش والإنعاش الاقتصادي في اليمن الفئات السكانية الضعيفة وغير القادرة على التكيف مع الصدمات الجديدة، ومن هذه الفئات: النازحون واللاجئون، أصحاب المشاريع الصغيرة والأصغر، المزارعون وأصحاب المشاريع الزراعية، الفقراء والمحتاجون في سن العمل. يُعد الصندوق الاجتماعي للتنمية أحد أهم المؤسسات الحكومية في اليمن إذ يتبنى تنفيذ مشاريع تخدم عملية التنمية بالشراكة مع مجموعة من الممولين لبرامجه ومشاريعه، والتي تعتبر من المشاريع الداعمة لسُبُل كسب العيش من خلال توفير فرص العمل، وتحسين فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتوفير شبكات الأمان، والخدمات المجتمعية، والبنية التحتية، والخدمات المالية وغير المالية للمؤسسات الصغيرة والأصغر للحد من ضعف المجتمعات الفقيرة، ويتم تقديم الخدمات عبر ثلاث برامج رئيسة، وهي:

  • برنامج النقد مقابل العمل.
  • برنامج المجتمع المحلي والتنمية المحلية.
  • برنامج تنمية المشروعات الصغيرة والأصغر[17].

ويمكن أن نشير في الجدول التالي إلى أهم الجهات الدولية والمحلية الداعمة للأسر المنتجة في اليمن، ونوع الدعم المقدم للأسر المنتجة في اليمن، وذلك على النحو الآتي:

جدول (1)
يوضح الجهات الدولية والمحلية الداعمة للأسر المنتجة في اليمن ونوع الدعم الذي تقدمه

نوع الجهة

اسم الجهة

نوع الدعم المقدم

جهات حكومية رسمية

الصندوق الاجتماعي للتنمية

تمويل مشاريع صغيرة، تدريب، دعم فني

برنامج الأشغال العامة

مشاريع تنموية تخلق فرص عمل مؤقتة ومستدامة

الهيئة العامة لتنمية المشاريع الصغيرة والأصغر

قروض صغيرة، استشارات، تدريب

وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل

إشراف على الجمعيات، سياسات تمكين الأسرة

الاتحاد العام للجمعيات التعاونية

تنسيق بين الجمعيات التعاونية، دعم إنتاجي

جهات دولية ومنظمات مانحة

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)

تمويل مشاريع، دعم تقني، دراسات جدوى

منظمة اليونيسف (UNICEF)

برامج حماية وتمكين المرأة والأسر

منظمة الأغذية والزراعة (FAO)

دعم مشاريع الزراعة المنزلية والأمن الغذائي

الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)

تدريب، تطوير القدرات، تمويل مشاريع صغيرة

الصليب الأحمر والهلال الأحمر

دعم سبل العيش، دعم طارئ ومشاريع تمكين للأسر المتضررة

الجدول من إعداد الباحثة

يتضح من الجدول السابق أن هناك تنوعًا كبيرًا في الجهات الرسمية والدولية المانحة التي تدعم مشاريع الأسر المنتجة في اليمن، ويشمل هذا الدعم عدة مجالات أساسية، من أبرزها: تقديم التمويل المالي المباشر، والدعم الفني والتقني، إلى جانب التدريب، والتأهيل، وبناء القدرات، إضافةً إلى الإشراف على تنفيذ المشاريع، ومتابعتها، وتقييم نتائجها لضمان فاعليتها واستدامتها. يعكس هذا التنوع في نوعية الدعم حرص هذه الجهات على الاستجابة لاحتياجات الأسر المنتجة في مختلف البيئات اليمنية، سواءٌ في الحضر أو الريف، بما يُعزز من فرص هذه الأسر في تحسين مستويات دخلها وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

ولم تنحصر المشاركة في دعم مشاريع الأسر المنتجة على الجهات الحكومية الرسمية أو الجهات الدولية والمنظمات فقط، بل كما أشرنا شاركت المؤسسات المصرفية في برامج التمكين الاقتصادي لعدد من الأسر من خلال تقديم القروض للمساعدة في دعم بعض المشاريع الصغيرة، وقد بلغ عدد العملاء المقترضين النشطين تسعة وثمانين ألف مقترض حتى نهاية أبريل 2020م[18]. ويمكن أن نشير إلى أعداد المقترضين في بعض هذه المؤسسات وذلك على النحو الآتي:

جدول (2)
يوضح أعداد القروض المقدمة من مؤسسات التمويل الأصغر[19]

م

المؤسسة المصرفية

إجمالي عدد المقترضين

1

بنك الأمل للتمويل الأصغر

35.031

2

المؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر

12.577

3

مؤسسة نماء للتمويل الصغير والأصغر

6.640

4

بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي

6.352

وبالعودة إلى الجدول رقم (2)، نجد أن حجم الدعم المقدم من المؤسسات المصرفية فتح المجال للعديد من الأسر لبناء مشاريعها الصغيرة عبر تقديم قروض ميسرة؛ الأمر الذي عكسه زيادة الإقبال على طلب هذا النوع من القروض والتي مثلت الحل الأنسب لهذه الأسر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وفي الآونة الأخيرة توقفت العديد من الجهات الممولة والمانحة عن تقديم الكثير من سُبُل الدعم المادي أو التقني بسبب الحرب المستمرة، مما أدى إلى توقف وخروج العديد من الفِرق التي كانت تعمل على دعم أو تدريب وتأهيل الكثير من أفراد الأسر المنتجة في مختلف المجالات، لا سيما في شمال البلاد. وبعد أن تم الكشف عن وجود بعض الأنشطة المشبوهة لبعض هذه الجهات - بحسب إفادة الجهات الأمنية في مناطق شمال البلاد - تم إغلاق عدد كبير من هذه الجهات وإيقاف أنشطتها.

3-2. سُبُل تمكين مشاريع الأسر المنتجة في اليمن

تحتاج مشاريع الأسر المنتجة، لا سيما في دول العالم الثالث، إلى آليات فعالة تُسهم في تطوير هذا النوع من المشاريع بما يضمن استمراريتها واستدامتها، باعتبارها مصدر رزق حيوي لعدد كبير من الأسر الفقيرة والمحتاجة التي وجدت فيها فرصة لتغيير واقعها، وعلى وجه الخصوص أوضاعها الاقتصادية المتدهورة. إن ترك الأسر المنتجة تخوض هذه التجربة دون تأهيل، أو توجيه، أو دعم فني ومالي قد يؤدي بها إلى خسائر كبيرة، لا سيما تلك الأسر التي بدأت مشاريعها عبر الاقتراض، أو من خلال بيع جزء من ممتلكاتها الأساسية على أمل استعادة رأس المال لاحقًا وتحقيق دخل ثابت. وقد أفادت بعض الأسر المنتجة التي تم مقابلة بعضها أن الحاجة الماسة هي التي دفعتها إلى البحث عن مصدر دخل بديل يساعدها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، كما أشارت بعض النساء من صاحبات هذه المشاريع إلى أن نقص الخبرة كان من أبرز المعوقات التي واجهتهن، لا سيما في المشاريع التي لم يُكتب لها الاستمرار بسبب غياب التخطيط الواضح أو الرؤية المستقبلية.

واستنادًا إلى ما سبق، تبرز الحاجة الملحّة للبحث في السُبُل والآليات التي يمكن أن تُسهم في تمكين هذه الأسر ودعم مشاريعها الإنتاجية، لضمان نجاحها وتحقيق أهدافها التنموية. ومن أبرز هذه الوسائل ما يأتي:

1-3-2. اعتماد منهجية سُبُل العيش المستدام

في ظل سعي العديد من الدول والجهات المانحة والداعمة لتمكين الأسر المنتجة اقتصاديًا، تم البدء بتنفيذ منهجية سُبُل العيش المستدام، وتعتبر هذه المنهجية من أبرز الأطر التحليلية التي تُستخدم في مجال دراسة واقع الأسر الفقيرة، وتحديد التدخلات التي يتم تنفيذها مع هذه الأسر. توفر هذه المنهجية إمكانية تحليل قدرات وموارد الأسر من خلال خمسة موارد رئيسية، هي:

  • الموارد البشرية: الأفراد القادرون ومستوى تعليمهم، ومهاراتهم، وتوجهاتهم.
  • الموارد الاجتماعية: علاقات الأفراد والأسر بأفراد وأسر ومؤسسات أخرى، ومدى إمكانية الاعتماد على هذه العلاقات في تطوير استراتيجيات تمكنها من تحسين واقعها المعيشي.
  • الموارد الطبيعية: الأراضي، والموارد المائية، والثروات الطبيعية الأخرى.
  • الموارد الفيزيائية/المادية: المباني، والآلات، والمعدات.
  • الموارد المالية: المقدرات المالية المتوفرة للأسرة أو الممنوحة لها.

تأخذ المنهجية بعين الاعتبار أيضًا المحددات التي تقيد الأسر والتي قد تُسهم في نضوب قاعدة مواردها، ومنها سياق الانكشاف من جهة، والفرص أو التهديدات التي تنتج عن المؤسسات والعمليات التي تؤثر على الفقراء من جهة أخرى.

أما بالنسبة لسياق الانكشاف، فإنه يضم كافة العوامل التي من الممكن أن تؤثر على قاعدة الموارد المتاحة للفقراء، وعلى سُبُل عيشهم، واختيارهم لها، والتي لا يمكن التحكم بها، مثل: العوامل الموسمية، والصدمات، والنزاعات.

إن سياق الانكشاف يضيف إلى الفكر التنموي العوامل التي من الممكن أن تزيد من فقر الفقراء، أو تُدخل غير الفقراء في حالة الفقر، وينضوي تحت إطار سياق الانكشاف كافة الصدمات التي يمكن أن يمر بها الأفراد والعائلات كالصدمات الصحية، أو النزاعات والحروب التي من الممكن أن تقوض قاعدة الموارد المتاحة. كذلك، يشمل هذا السياق العوامل الموسمية (لا سيما في سُبُل العيش التي تعتمد على مواسم معينة كالزراعة والسياحة).

أما ما يخص عنصر السياسات، والعمليات، والمؤسسات من المنهجية، فإن المجتمعات بمؤسساتها وهياكلها المختلفة تضع سياسات، أو عمليات، أو إجراءات ذات علاقة بُسُبل عيش الأسر. يمكن لهذه السياسات والإجراءات أن تُسهم في تحسن أو تدهور الموارد للأسر، ويمكن أن تزيد أو تقلل من مجال الانكشاف أو التعرض للأسر، كما أنها تؤثر أيضًا على استراتيجيات سُبُل العيش التي يمكن للأسر اتباعها. وتعرف السياسات سير الأعمال المصممة لتحقيق أهداف أو غايات معينة، وتنفذ هذه السياسات العامة من خلال المنظمات والمؤسسات التي تضع الأدوات التي تلتزم بتحقيق هذه السياسات. وتشمل هذه السياسات: التشريعات، والخطط، والبرامج العامة، والإجراءات، والمعايير التي تضعها هذه المؤسسات، فقد تعمل المؤسسات ضمن سياسات تمكينية تُسهم في الحد من الفقر وآثاره، أو سياسات معوقة تعمل على زيادة الفقر أو زيادة سياق الانكشاف والتعرض، فتحد من قدرات المواطنين على الوصول إلى الموارد[20].

شكل (2)
يوضح منهجية سُبُل العيش المستدام
صورة الشكل 2
المصدر: الأمم المتحدة، البنك الإسلامي للتنمية: تقرير حول سير عمل برنامج التمكين الاقتصادي للأسر الفلسطينية المنتجة –المرحلة الثانية حتى 31 كانون الأول 2016م، مرجع سابق، ص7.

2-3-2. عمل دراسة جدوى لمشاريع الأسر المنتجة

يُعد إجراء دراسة جدوى لمشاريع الأسر المنتجة أمرًا ضروريًا لضمان نجاح واستدامة هذه المشاريع، فهي تساعد في تقييم الجوانب المالية، والتجارية، والاقتصادية للمشروع، وتحديد مدى قابلية نجاحه وربحيته المحتملة. هي عملية تحليلية تساعد على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الاستثمار والتخطيط المستقبلي لأي مشروع يُراد تنفيذه، بغض النظر عن مستوى حجمه، أو مقدار تكلفته، واحتياجاته. وتكمن أهمية دراسة الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع في:

  1. تقييم الجوانب المالية: تساعد دراسة الجدوى في تحديد التكاليف المتوقعة لإقامة المشروع وتشغيله، بما في ذلك تكاليف الإنتاج، والتسويق، والتوزيع، كما تساعد في تقدير الإيرادات المتوقعة، وتحديد الفترة الزمنية المطلوبة لتحقيق العائد على الاستثمار.
  2. تحليل السوق: تتضمن دراسة جدوى مشروع ما تحليلًا شاملًا للسوق المستهدف والمنافسين المحتملين، حيث يتم تقدير حجم السوق وتحليل احتياجات العملاء وتفضيلاتهم، مما يساعد في تحديد استراتيجية التسويق المناسبة، وتحقيق التنافسية في السوق، وتحليل قدرة المشروع على تلبية احتياجات السوق.
  3. تقييم الجوانب التجارية: تساعد دراسة الجدوى في تحديد الفرص التجارية المتاحة، وتحليل قدرة المشروع على تلبية احتياجات السوق، بالإضافة إلى أنها تساعد في تحديد العوائق المحتملة، وتطوير استراتيجيات للتغلب عليها[21].

3-3-2. دعم برامج التدريب والتأهيل

تتطلب الأسر المنتجة، لا سيما حديثة الدخول في مجال الأعمال، دعمًا تدريبيًا وتأهيليًا خاصًا، ذلك لأن تحسين أساليب إدارة المنتج الاقتصادي للأسر المنتجة هو أحد أهم الركائز المهمة لضمان استمرارية الإنتاج، وكسب ثقة الجهات الداعمة والممولة. لذا، لا بد من العمل على تطوير برامج تأهيل وتدريب الأسر المنتجة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في دعم المنتج، بالإضافة إلى ضرورة تضمين برامج التأهيل تقديم الاستشارات الفنية، والإدارية، والقانونية بشكل يضمن تطوير المنتج الاقتصادي لتحويل مشروع الأسرة المنتجة إلى نشاط اقتصادي مستدام[22].

4-3-2. تفعيل التسويق الإلكتروني لمشاريع الأسر المنتجة

في ظل التطورات التكنولوجية والاعتماد على وسائل التسويق الإلكتروني والأساليب الحديثة في العرض والتسويق بدلًا من الاعتماد على المعارض والأسواق الموسمية من فترة إلى أخرى، فإنه من الضرورة بمكان التركيز على دعم هذا الجانب في التسويق لمشاريع الأسر المنتجة، والتعريف بها عبر هذه الوسائل سريعة الانتشار والتداول بين مختلف فئات المجتمع، وذلك وفقًا لعدة مراحل، وهي:

  1. مرحلة الإعداد: وتهدف هذه المرحلة إلى تحديد رغبات المستهلك وحاجاته، وأيضًا تحديد الأسواق الجاذبة وطبيعة المنافسة. تتم هذه المرحلة عن طريق الحصول على المعلومات والبيانات اللازمة، مما يساعد على طرح المنتجات والخدمات المناسبة على الإنترنت.
  2. مرحلة الاتصال: في هذه المرحلة، يتم التواصل مع العملاء لعرض المنتجات والخدمات الجديدة على شبكة الإنترنت، وتعتمد هذه المرحلة على أربع مراحل أساسية، وهي:
    1. مرحلة جذب الانتباه: ويتم عن طريقها استخدام مجموعة من الأدوات والوسائل المختلفة، من بينها الأشرطة الإعلانية والبريد الإلكتروني.
    2. مرحلة توفير المعلومات اللازمة: هذه المرحلة تعتمد على منح العميل كافة المعلومات التي يحتاجها حول المنتج الجديد حتى يتمكن من تكوين رأيه الخاص.
    3. مرحلة إثارة الرغبة: حتى يتم تخطي هذه المرحلة بسهولة، من الضروري أن تكون عملية العرض والتقديم عملية فعالة، ويمكن الاعتماد على تكنولوجيا الوسائط المتعددة.
    4. مرحلة الفعل والتصرف: إذا تم إقناع المستهلك بالمنتج المعروض عبر الإنترنت، سوف يتخذ الفعل الشرائي.
  3. مرحلة التبادل: في هذه المرحلة، تتم عملية التبادل والتي هي جوهر عملية التسويق الإلكتروني، فيحصل العميل على السلعة والخدمة، بينما تحصل الأسرة على المقابل النقدي باستعمال نظم الدفع الإلكتروني الآمنة.
  4. مرحلة ما بعد البيع: تعتبر هذه المرحلة من أهم المراحل بالنسبة للأسرة المنتجة حيث أن رضا المستهلك هو الهدف المنشود لها، وتقوم من خلالها بالحفاظ على الزبائن الحاليين، واستقطاب زبائن جدد لها وذلك من خلال الوسائل الإلكترونية[23].

شكل (3)
يوضح نموذج التسويق الالكتروني
صورة الشكل 3
المصدر: مشابة، شيماء وبوطريف، ميساء (2024م): أثر مواقع التواصل على تسويق منتجات الأسر المنتجة بميلة، مرجع سابق، ص25.

إن دعم وتمكين الأسر اليمنية المنتِجة أصبح في الوقت الراهن ضرورةً ملحة لضمان الاستفادة من قدراتها في مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت نتيجة الأوضاع الحالية. وقد لاحظنا من خلال حديثنا السابق أن هناك سُبُلًا وطرقًا متعددة يمكن من خلالها تمكين مشاريع الأسر المنتجة، وذلك بالاعتماد على الأسس المنهجية في سُبُل العيش المستدام، إضافةً إلى إيجاد آلية صحيحة لهذه المشاريع تقوم على دراسة الجدوى، ثم توفير التأهيل والتدريب المناسبين، وكذلك الاستفادة من البدائل التسويقية الإلكترونية بدلًا من الاعتماد على أساليب التسويق التقليدية الموسمية والمؤقتة. تُسهم هذه العوامل وغيرها، بلا شك، في تحسين واقع مشاريع الأسر المنتجة في اليمن، وزيادة كفاءتها وفعاليتها بشكل واضح وملحوظ، بما يعود بالفائدة على هذه الأسر وعلى المجتمع بشكل عام على المدى القريب والبعيد.

3. تجارب عالمية رائدة في مجال الإنتاج الأسري

تلعب الأسر المنتجة دورًا فاعلًا في تعزيز التنمية الاقتصادية في العديد من دول العالم، حيث تنوعت التجارب والنماذج الدولية في هذا المجال، وبرزت عدة دول في تبني هذا التوجه بشكل واسع، ومن أبرزها: إيطاليا التي عُرفت بنظام الشركات العائلية التي شكلت ركيزة أساسية لاقتصادها الوطني، وأسهمت في دعم الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل داخل إطار الأسرة. كذلك، تبرز الهند كتجربة رائدة في مجال الإنتاج الأسري من خلال اعتمادها على المشروعات الصغيرة والتمويل متناهي الصغر، ما مكن الأسر محدودة الدخل، ولا سيما تلك التي تعيلها نساء، من الانخراط في أنشطة إنتاجية مستدامة. أما كوريا الجنوبية، فقد تميزت بدعمها للابتكار الأسري وريادة الأعمال المجتمعية عبر برامج حكومية محفزة وتدريب تقني متخصص، ما جعل الأسر المنتجة عنصرًا أساسيًا في خططها التنموية. وفيما يلي عرض أكثر تفصيلًا لأبرز هذه التجارب.

1-3. التجربة الإيطالية

تشتهر الأسر المنتجة في إيطاليا باسم «الشركات العائلية»، ويصف القانون المدني الإيطالي الشركات العائلية بأنها: مؤسسات يعمل فيها أفراد الأسرة (الزوج والزوجة، أو من تربطهم صلة قرابة وثيقة) ويمتلكونها[24].

تعرف الشركات العائلية بأنها: شركة تكون فيها أغلبية الأصوات في يد العائلة المُسيطرة، بما في ذلك المؤسس (المؤسسين) الذين ينوون توريث الشركة لأحفادهم. ويشمل هذا المصطلح العديد من المسميات مثل «شركة عائلية»، و«مؤسسة عائلية»، و«شركة مملوكة للعائلة»، و«شركة خاضعة لسيطرة العائلة»[25]. كما تعرف بأنها: شركة أو مؤسسة تجارية يشارك فيها اثنان أو أكثر من أفراد العائلة، وتتركز فيها الملكية والسيطرة الرئيسية داخل العائلة.

يتأثر صنع القرار في هذا النوع من الشركات بأجيال عديدة من العائلة، ونقصد بأفراد العائلة أي فرد (عاقل) تربطه صلة قرابة الدم، أو الزواج، أو التبني، وينبغي أن يتمتع هؤلاء الأفراد بالقدرة على التأثير في رؤية الشركة، وأن يكونوا على استعداد لاستخدام هذه القدرة لتحقيق أهداف أسمى[26].

تُؤخذ التجربة الإيطالية بعين الاعتبار نظرًا للخصائص المميزة التي تتسم بها الشركات العائلية في هذه الدولة، فالشركات العائلية تُشكل عماد الاقتصاد الإيطالي، وأكبر الشركات العائلية في إيطاليا هي تلك التي أنشأتها أهم العائلات الريادية.

تربط الشركات العائلية بين الشركة والعائلة التي تنتمي إليها، وذلك بتبني نهج التطور المشترك الذي يعتبر العائلة والعمل نظامين فرعيين يتطوران معًا لتكوين نوع مختلف، ألا وهو الشركة العائلية. وتلعب الشركات العائلية في إيطاليا دورًا هيكليًا عبر مشاركتها في المجالات التي تمثل رسالتها، ونطاق عملها، وأنشطتها الخيرية، ومن هذه المجالات: الثقافة والفنون، والبحث والتدريب، والرعاية الصحية، والمسؤولية الإقليمية[27].

تُعد الشركات العائلية الإيطالية من بين القطاعات التعاونية الأكبر في العالم، إذ تضم أكثر من (60) ألف شركة عائلية من مختلف قطاعات الاقتصاد، والتي توظف بشكل مباشر (1.3) مليون شخص. وقد ساهمت الشركات العائلية بنحو 30 % من فرص العمل الجديدة في إيطاليا بين عامي 2001م و2011م، مما يُبرهن على قدرة هذه المؤسسات على العمل بنجاح في اقتصاد السوق، مُحققةً بذلك النجاح الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية. وفي الوقت ذاته تُقدم هذه الشركات العائلية بديًلا عمليًا للمؤسسات التي تسعى إلى تعظيم الربح، وفرصةً لبناء اقتصاد سوق أكثر تعددية وديمقراطية حيث تَمكنت الشركات العائلية الإيطالية من المنافسة بنجاح في الاقتصاد العالمي، وتحقيق النمو خلال الأزمة المالية العالمية[28].

1-1-3 إيجابيات التجربة الإيطالية

تظهر إيجابيات التجربة الإيطالية في مجال الإنتاج الأسري، وذلك من خلال تميزها بالآتي:

  1. تُتيح الشركات العائلية إمكانية تخليد اسم المؤسس وإرثه عبر الزمن، فهي تسمح، إذا أُديرت بكفاءة، بالحفاظ على الأصول المتراكمة خلال الحياة وبتنميتها، مع إسناد الإمكانات الاقتصادية المرتبطة بالكيان التجاري إلى الأجيال القادمة.
  2. تُعد الشركات العائلية محركات النمو في كل من الدول الصناعية والنامية، فهي تُسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتُعزز روح المبادرة، وتُوفر فرص عمل كبيرة. إن الشركات العائلية الإيطالية تُمثل «مشاريع حياتية»، ومراكز حيوية تجمع بين المهارات، والأنشطة الريادية، والقيم العائلية الراسخة في إيطاليا.
  3. أكدت الدراسات التي تناولت موضوع الشركات العائلية على أهمية الرأسمالية العائلية كحل تنظيمي فعال للأنشطة الاقتصادية حتى في المراحل المتأخرة من عملية التصنيع.
  4. كان يُنظر إلى الشركات العائلية في السابق على أنها ملكيات عائلية خاصة، نموذجية للشركات الناشئة ومراحلها الأولى، وترتبط عادةً بعمليات الإنتاج كثيفة العمالة والأسواق الحِرفية التي تتسم بطابع إقليمي قوي، إلا أنه مع مرور الوقت أُثبت أن السلالات العائلية لا تزال تلعب دورًا هامًا في المجموعات الصناعية الكبرى، وفي جميع القطاعات الاقتصادية، كما هو الحال في الخدمات المالية التي لم تكن تُعتبر سابقًا مناسبة للنموذج العائلي.
  5. في إيطاليا، تُسيطر العائلات على 73% من الشركات، وتُوظف أكثر من نصف القوى العاملة الوطنية فهي شركات عريقة ذات تاريخ طويل.
  6. تضم إيطاليا أكبر عدد من أعضاء جمعية «هينوكيين» (الشركات العائلية التي يزيد عمرها عن 200 عام، والتي لا تزال تُدار وتُملك إلى حد كبير من قِبل العائلة المؤسسة).
  7. غالبية الشركات العائلية الإيطالية صغيرة، ولكن توجد أيضًا شركات عائلية متوسطة وكبيرة الحجم. ويُشير مرصد الجامعة الأمريكية في بيروت 2010م إلى أن 57.1% من الشركات التي يتجاوز حجم مبيعاتها (50) مليون يورو تُسيطر عليها العائلات، وتُسهم بنسبة 41.1% من إجمالي إيرادات الشركات المتوسطة والكبيرة في البلاد.
  8. ساهمت قوة الروابط بين البنوك المحلية ومسؤوليها والشركات المحلية في دعم عمليات التوسع والتطوير للشركات العائلية. علاوةً على ذلك، نادرًا ما أَخذت مسارات نمو هذه الشركات في الاعتبار فتح أشكالٍ لرأس المال المخاطر. لقد ساهم ضعف سوق الأوراق المالية، إلى جانب ضعف الإطار القانوني لحماية حقوق المساهمين الأقلية، في استمرار تركز الشركات العائلية.
  9. أوجدت إيطاليا «وسام الاستحقاق الإيطالي للعمل» وهو مؤسسة تجمع بين رواد الأعمال المحليين الذين نالوا تقديرًا عاليًا لمساهمتهم في تحقيق التنمية الاقتصادية في إيطاليا[29].

2-1-3 تحديات التجربة الإيطالية

تتمثل التحديات الرئيسية التي تم تحديدها في التجربة الإيطالية في بعض الجوانب، منها:

  • وجود رؤية مشتركة للشركات العائلية بأن تصبح جزءًا من مشروع سياسي طويل الأجل، وأن تعمل على تطوير بيئة إشراف تعاوني خارجي مناسبة، وتعزيز صندوق تنمية الشركات العائلية، ووضع أطر سياسات للتعامل مع الفروقات في الرواتب، وضرورة الاستمرار في تحسين أدائها[30].
  • تواجه هذه الشركات العائلية المسؤولة اجتماعيًا تحديات واقعية صعبة تتطلب حلولًا عملية، وقد تجلى هذا الالتزام الاجتماعي من خلال: استثمار الأرباح لخلق فرص عمل، وإعطاء الأولوية للعمال فيما يتعلق بالربح خلال الأزمة المالية العالمية، وإقامة علاقات تجارية مع الموردين المحليين، وبيع المواد الغذائية بأسعار منخفضة، والعمل على إنشاء تعاونيات اجتماعية لتوفير فرص عمل للفئات المحرومة، وتقديم خدمات لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وإنشاء تعاونيات مجتمعية لتلبية احتياجات المجتمعات النائية، واستثمار أموال تنمية التعاونيات في خلق فرص عمل في المناطق ذات معدلات البطالة المرتفعة، ودعم التعاونيات الجديدة التي ينشئها الشباب، والنساء، والمهاجرون.

ويتوقع من الشركات العائلية أداء كل هذه الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يشكل ضغطًا عليها وتحديًا أمامها للموازنة بين جمع الربح وأداء مسؤولياتها تجاه المجتمع الإيطالي.

2-3. التجربة الكورية الجنوبية

تُعرف الأسر المنتجة في كوريا الجنوبية بما يسمى بـ «التكتل العائلي (تشيبول)»، ومعنى كلمة تشيبول العائلة الثرية أو العشيرة الغنية، وهي مجموعة شركات تضم شركات كبيرة تعمل في مجالات أعمال متنوعة، وتخضع لسيطرة عائلة واحدة. عادةً ما تعمل هذه الشركات في العديد من الصناعات، وتتميز بتركز رأس المال فيها بشكل كبير. يُسيطر عليها في العادة زعيم واحد يُدعى «تشونغسو»، وهو القائد الأعلى الذي يتخذ القرارات النهائية للمجموعة بأكملها، ويعتبر «تشونغسو» المساهم الرئيسي في المجموعة، بالإضافة إلى كونه أحد أفراد العائلة المُسيطرة[31].

ظهرت معظم التكتلات الاقتصادية المعاصرة (تشيبول) خلال خمسينيات القرن العشرين. لعبت الدولة دورًا هامًا عند ظهورها لأول مرة، بل وكانت مسؤولة عن تراكم رأس مالها، لا سيما بعد أن تحقق التطور الاقتصادي الكوري بفضل السياسات الاقتصادية الفعالة للحكومة وقيادتها الرشيدة في ظل النظام الرأسمالي الذي يُشجع الملكية الخاصة، مما منح هذه الشركات العائلية - التي تكيفت استراتيجيًا مع سياسات التنمية الاقتصادية - مزايا مالية وغير مالية. وإلى جانب هذه المزايا، نمت بعض الشركات العائلية لتصبح تكتلات اقتصادية ضخمة تتألف من شركات متعددة الجنسيات تمتلك العديد من الشركات الدولية.

بلغ عدد التكتلات العائلية (تشيبول) أكثر من عشرين تكتل أو شركة عائلية، كل تكتل له فروعه وتوابعه الكثيرة، واستمر العدد بالتزايد مع مرور السنوات، ونذكر منها الآتي: الخطوط الجوية الكورية (مجموعة هانجين)، وشركة دايو لبناء السفن والآلات الثقيلة المحدودة، وشركة دايو للصناعات الثقيلة المحدودة (كلاهما من مجموعة دايو)، وشركة هيونداي موتور، وشركة سانغ يونغ للأسمنت الصناعية المحدودة، وشركة سامسونج للبتروكيماويات المحدودة، وشركة تونغ يانغ للبوليستر المحدودة، وشركة سونكيونغ المحدودة، وشركة إل جي المتخصصة بإنتاج الإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة المنزلية الكبيرة والاتصالات، وأيضًا شركة لوت المتخصصة بتجارة الأغذية، وتجارة التجزئة، والفنادق، والمواد الكيميائية، والترفيه، وغيرها من التكتلات[32].

شكل (4)
يوضح أكبر خمسة تكتلات تشيبول[33]
صورة الشكل 4

يحتل الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية حاليًا المرتبة العاشرة عالميًا والرابعة آسيويًا (وكالة يونهاب، صحيفة كوريا هيرالد، 2021م). وأعلنت لجنة التجارة العادلة في كوريا الجنوبية، اعتبارًا من عام 2020م، أن ترتيب أكبر خمسة تكتلات عائلية اقتصادية لم يتغير منذ عام 2019م، حيث احتفظت سامسونج بالمركز الأول، تليها هيونداي موتور، وإس كي، وإل جي، ولوت. إن إيرادات أكبر خمسة تكتلات عائلية تعادل ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية في عام 2019م. ولهذه التكتلات العائلية مكانة كبيرة في كوريا الجنوبية لتحويلها كوريا إلى قوة اقتصادية عظمى ورفع مستويات المعيشة من خلال منتجاتها[34].

وللحديث عن إسهامات هذه الشركات العائلية في الاقتصاد الكوري، نذكر على سبيل المثال مجموعة هيونداي للأعمال والتي تُعد واحدة من أكبر التكتلات العائلية في كوريا الجنوبية. تمثل مجموعة هيونداي للأعمال تكتلًا عائليًا متنوع الأنشطة (يملكه تشونغ جويونغ وأفراد عائلته)، وتحتل مكانة مهيمنة في الاقتصاد الكوري. فعلى سبيل المثال في عام 1996م، بلغت مبيعات مجموعة هيونداي للأعمال ككل (92.2) مليار دولار، إلى جانب مجموعات أعمال أخرى لعائلة تشونغ (مثل مجموعة هانرا ومجموعة سيونغوو)، أي أنها تملك ما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية البالغ (461.8) مليار دولار أمريكي. وظفت مجموعة هيونداي للأعمال بشكل مباشر أكثر من (200) ألف عامل في عام 1997م، أي أنها تلعب دورًا أساسيًا في خفض نسب البطالة[35]. في عام 1998م، ضمت المجموعة (63) شركة تابعة تعمل في قطاعات البناء، والسيارات، والإلكترونيات، والصناعات الثقيلة والآلات، والكيماويات، والخدمات المصرفية والمالية، وغيرها من قطاعات الخدمات المهمة في بناء البنية التحتية للبلد، ورفدها اقتصاديًا وتنمويًا.

تُعد هذه التكتلات الاقتصادية الكورية (تشيبول) ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية الكورية، وبطلًا للصادرات الكورية. تهيمن منتجاتها عالية التقنية على الأسواق العالمية، وتُعتبر علاماتها التجارية رمزًا لمكانة كوريا المرموقة في العالم. لقد أسفرت قدرتها التنافسية القوية في الأسواق العالمية عن زيادة مستمرة في الصادرات، ونمو اقتصادي حقيقي للبلد، وزيادة في نسبة الدخل.

1-2-3 إيجابيات التجربة الكورية

لعل التطور الاقتصادي الكوري، الذي يمتاز بالنمو السريع، كان ممكنًا بفضل النجاح الباهر الذي حققته هذه الأسر الريادية، فقد حافظ الاقتصاد الكوري على شراكات تعاونية معها، وقد شهد الاقتصاد الكوري فترات ازدهار وتراجع بالتزامن مع ازدهارها وتراجعها[36].

نجد أن التكتلات العائلية الكورية نجحت نجاحًا باهرًا نظرًا لعدة أسباب، ومن أهمها:

  1. تركز رأس المال: أوجد تركز رأس المال داخل التكتلات العائلية قدرة مالية ضخمة مكنتها من تنفيذ مشاريع استراتيجية طويلة الأجل تتطلب استثمارات ضخمة، مثل: الصناعات الثقيلة كبناء السفن، والسيارات، وأجهزة التكنولوجيا المتقدمة. هذا التركز قلّل من مخاطر التمويل، وساعد على تسريع عملية التصنيع الوطني.
  2. تنوع الأنشطة الاقتصادية: تعمل تكتلات تشيبول في قطاعات متعددة داخل تكتل واحد، وهو ما أسهم في تقليل المخاطر الاقتصادية، إذ إن تراجع قطاع معين يمكن تعويضه بازدهار قطاع آخر. لقد عزز هذا التنوع التكامل الصناعي، وسلاسة سلاسل التوريد داخل الاقتصاد الكوري.
  3. القيادة المركزية وسرعة اتخاذ القرار: وجود قائد واحد (تشونغسو) يتمتع بسلطة واسعة مكّن التكتلات من اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة، خاصة في فترات الأزمات أو التحولات الاقتصادية الكبرى، دون التعقيدات البيروقراطية التي تعاني منها الشركات العامة أو الحكومية.
  4. الدعم الحكومي والتكامل مع السياسات الاقتصادية: لعبت الحكومة الكورية دورًا محوريًا في دعم تكتلات تشيبول عبر القروض الميسّرة، والحماية الجمركية، وتوجيه الاستثمارات، ما خلق علاقة تكامل بين الدولة والقطاع الخاص. هذا التنسيق أسهم في تحقيق أهداف التنمية الصناعية والتصديرية للدولة.
  5. تعزيز القدرة التنافسية عالميًا: بفضل الدعم المالي والحجم الكبير، استطاعت تكتلات تشيبول دخول الأسواق العالمية والمنافسة مع شركات دولية كبرى، والتحول إلى شركات متعددة الجنسيات؛ الأمر الذي عزز مكانة كوريا الجنوبية في الاقتصاد العالمي.
  6. الإسهام في النمو الاقتصادي السريع: ارتبط النمو الاقتصادي الكوري ارتباطًا وثيقًا بأداء هذه التكتلات، حيث شكلت محورًا رئيسًا للنمو الصناعي والتجاري، وأسهمت في زيادة الصادرات وتحسين الميزان التجاري.
  7. خلق فرص العمل: وفرت تكتلات تشيبول مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وأسهمت في رفع مستوى الدخل وتحسين مستوى المعيشة، إلى جانب تطوير المهارات البشرية من خلال التدريب ونقل الخبرات.
  8. المرونة في التكيّف مع التغيرات الاقتصادية: امتلكت التكتلات العائلية قدرة عالية على التكيف مع التغيرات المحلية والدولية، سواءٌ عبر إعادة الهيكلة أو التحول إلى قطاعات أكثر ربحية، مما ساعدها على الاستمرار والنمو رغم الأزمات.
  9. الاستدامة وتحقيق الأرباح: أظهرت التجربة الكورية قدرة التكتلات العائلية تشيبول على تحقيق أرباح متنامية ومستدامة، كما يتضح من الأداء المالي القوي لشركة مثل: هيونداي، مما يعكس نجاح نموذجها الإداري والاقتصادي.

2-2-3 تحديات التجربة الكورية

انتهجت حكومة الرئيس لي ميونغ باك سياسات اقتصادية داعمة للشركات، مثل: تخفيض ضرائب الشركات، وإلغاء القيود على استثمارات الشركات الكبرى، وعدد من إجراءات تحرير السوق، وسياسة نقدية لتشجيع الصادرات، وغيرها. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات واضحة على انتعاش الاقتصاد المحلي بعد الأزمة الاقتصادية العالمية مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل الأزمة. علاوةً على ذلك، ورغم استمرار نمو الاقتصاد الكوري، إلا أنه يُنتقد لكونه نموًا غير مثمر، مع تزايد التفاوت في الدخل. وعلى الرغم من أن التكتلات الاقتصادية الكورية (تشيبول) تبدو وكأنها تحقق نجاحات متواصلة، لكنها بعد الأزمة المالية لم تعد تلعب دور المحرك الرئيس للاقتصاد الكوري.

ويمكن الإشارة هنا إلى بعض أسباب عدم تأثير النمو الناجح لهذه التكتلات العائلية على الاقتصاد الكوري الجنوبي بنفس القوة التي كان عليها سابقًا قبل الأزمة المالية، وهي تُعد من التحديات الحقيقية التي تواجهها كوريا، نذكرها على النحو الآتي:

  1. تحول هيكل الصناعة من الصناعات كثيفة العمالة إلى الصناعات كثيفة رأس المال والتكنولوجيا، مما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة. علاوةً على ذلك، أدت الزيادات الكبيرة في استثمارات تكتلات تشيبول الخارجية بعد الأزمة المالية الآسيوية إلى انخفاض الطلب على العمالة المحلية.
  2. أدى ارتفاع معدلات التكنولوجيا الجديدة وإنتاجية العمل إلى انخفاض كبير في معاملات تحفيز العمالة للصادرات في جميع القطاعات.
  3. بفضل تأثير العولمة، بات بإمكان التكتلات الوصول بسهولة إلى سلع وسيطة خارجية أرخص أو ذات أسعار تنافسية. إن اعتماد صادراتها الكبير على الواردات قلل من الآثار الإيجابية للصادرات على الاقتصاد. ويشير تضاؤل ​​تأثير تكتلات تشيبول على الاقتصاد الكوري الجنوبي إلى أن نموذج الاقتصاد القائم على التصدير لم ينجح كما كان متوقع في تنشيط الاقتصاد المحلي بعد الأزمة المالية[37].

وبالإضافة إلى الأسباب السابقة كان أحد أبرز الانتقادات الموجهة لهذه التكتلات خلال الأزمة المالية العالمية هو ضعف هيكلها الرأسمالي الناتج عن التوسع المتهور في الأصول نتيجةً لسهولة الوصول إلى القروض المدعومة من الحكومة، وضعف الأداء التجاري، والتفاوت الكبير بين حصة ملكية رئيس مجلس الإدارة وسلطته التنفيذية، وتركز القوة الاقتصادية في يدها[38].

3-3. التجربة الهندية

تُسهم الشركات العائلية في الهند بنحو 79% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني سنويًا، حيث يوجد فيها (108) شركة عائلية مدرجة في البورصة، مما يجعلها ثالث أعلى دولة في العالم بعد الصين التي تضم (167) شركة عائلية، والولايات المتحدة التي تضم (121) شركة.

في مرحلة الاقتصاد الموجه (قبل عام 1990م)، واجهت الشركات العائلية منافسة أقل نسبيًا من المؤسسات الخارجية، وتلقت دعمًا حكوميًا على شكل إعانات أو أشكال مماثلة من المساعدات، ما أسهم بشكل كبير في نموها الملحوظ. هذا، بالإضافة إلى قدرة الشركات العائلية على تكييف منتجاتها وخدماتها لتناسب الأسواق الهندية، مما مكنها من النمو وتحقيق عوائد مجزية.

بعد تحرير الاقتصاد الهندي عقب عام 1990م، كان يُتوقع أن يؤدي تدفق الشركات متعددة الجنسيات إلى الهند إلى تراجع هذه الشركات العائلية. ولكن على النقيض من ذلك، نافست الشركات العائلية بقوة، وحافظت على أهميتها، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى بعض أوجه التآزر المتأصلة فيها كسرعة اتخاذ القرارات، والتركيز الأكبر على بناء العلاقات. وقد أثبتت الشركات العائلية في الهند قدرتها على النمو السريع من بدايات متواضعة، وتحقيق التوسع، وتقديم مساهمة كبيرة في الاقتصادين الوطني والعالمي[39].

تسيطر العائلات الهندية، مثل: عائلات تاتا، وبـيرلا، وأمباني، على قطاعات اقتصادية متنوعة، وقد ساهمت هذه العائلات في تطوير العديد من الصناعات. فعلى سبيل المثال، تعمل مجموعة تاتا في قطاعات الصلب، والمركبات التجارية، وسيارات الركاب، والمركبات الخفيفة، والطاقة، والكيماويات، والفنادق، والشاي والقهوة، والبرمجيات، وغيرها. أما مجموعة بيرلا، فقد أسست شركات في قطاعات متعددة، مثل: المنسوجات، والألياف، والألومنيوم، والأسمنت، والكربون الأسود، والملابس، والبترول، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات. وتعمل مجموعة ريلاينس التابعة لعائلة أمباني في قطاعات متعددة، مثل: البتروكيماويات، وتكرير النفط واستكشافه، والمنسوجات، والاتصالات، والتمويل.

تلعب الشركات العائلية في الهند دورًا محوريًا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وقد برزت أهميتها بشكل واضح في ظل جائحة كوفيد-19، حيث أسهمت بشكل كبير في توفير الغذاء والخدمات للمستهلكين. ويمكن الحديث عن أهم هذه الأدوار والمتمثلة في:

  1. التنمية الاقتصادية: 91% من الشركات المدرجة في البورصة هي شركات عائلية، وتُسهم بشكل كبير في نمو الاقتصاد الهندي. وقد تبين أن الشركات العائلية المدرجة تُسهم بنسبة 26% من الناتج المحلي الإجمالي (إجمالي الدخل).
  2. التصنيع: تُسيطر العائلات الهندية، مثل: عائلات تاتا، وبيرلا، وأمباني، على شركات التصنيع الكبيرة في القطاع المنظم، وقد ساهمت هذه العائلات في تطوير العديد من الصناعات.
  3. تنمية ريادة الأعمال: تُمهد الشركات العائلية الطريق أمام العديد من العائلات لبدء مشاريع جديدة وتطويرها.
  4. التنمية الاجتماعية: قامت الشركات العائلية الكبيرة بتطوير العديد من المستشفيات الكبيرة، والمؤسسات التعليمية، والبنية التحتية الأساسية مثل الطرق وغيرها.
  5. تطوير الأعمال: عادةً ما تولي هذه الشركات العائلية اهتمامًا كبيرًا لإدارة العلاقات مع الشركاء، والموردين، والموظفين، وشركاء التوزيع، والعملاء. ونتيجةً لذلك، تصبح التفاعلات مع أصحاب المصلحة أكثر فعالية، ويتم حل المشكلات بشكل أسرع، ويتم تقديم خدمة أفضل للعملاء، مما يزيد من ولاء العملاء[40].

1-3-3 إيجابيات التجربة الهندية

إحدى أهم نقاط قوة الشركات العائلية التزام جميع أفرادها بهدف مشترك واحد يسعون جميعًا لتحقيقه. فلا وجود لتضارب المصالح لأن العائلة تملك الشركة وتديرها، مما يُسهل عملية اتخاذ القرارات. إضافةً إلى ذلك، تتطلب إدارة الشركات العائلية الحد الأدنى من النفقات العامة، لاعتمادها على مواردها الذاتية.

تتمتع الشركات العائلية عادةً بهوية واضحة في عالم بات يفتقر إلى الهوية. لذا، تتميز هذه الشركات بثقافة قوية ومتجانسة، يتشاركها جميع أفراد العائلة والعاملين معها. علاوةً على ذلك، تسعى الشركات العائلية باستمرار إلى تحسين منتجاتها والحفاظ على علاقات طيبة مع شركائها (العملاء، والموردين، والموظفين، والمجتمع، وغيرهم)، لأن اسمها وسمعتها مرتبطان بمنتجاتها أو خدماتها[41].

لقد تأثرت الشركات العائلية الهندية بالركود الاقتصادي كغيرها من الشركات. ورغم معاناتها كغيرها، إلا أنها استطاعت استغلال ميزة التنافس المتأصلة فيها والتي ضمنت لها البقاء والازدهار رغم الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة. ووفقًا لراندل كارلوك، أستاذ إدارة الأعمال العائلية وبــيرغمانز لويست، أستاذ في القيادة الريادية في كلية إنسياد، فإن امتلاكها لهذه الميزة تؤكد على التزام الملاك، ووجود استراتيجيات طويلة الأجل، ومعرفة متعمقة بالقطاع تراكمت عبر الأجيال، وامتلاكها قيمًا كالثقة، والمسؤولية، والاستدامة.

وتتميز الشركات العائلية بسمتين رئيسيتين:

  • السمة الأولى: أنها تنظر إلى الأمور من منظور طويل الأمد.
  • السمة الثانية: أنها مدفوعة بالقيم. فغالبًا ما تُبنى قراراتها على ما هو في مصلحة العائلة، وما يدعم قيمها.

ومع ذلك، هناك أيضًا مشاعر عائلية، ولذا فهي بحاجة إلى إدارة احترافية. والأمر كله يتعلق بجمع هذه العائلات بين الاحترافية والعاطفة - أي الجمع بين شغف العائلة والإدارة الاحترافية[42].

2-3-3 تحديات التجربة الهندية

لقد نمت هذه الشركات العائلية نموًا هائلًا مع مرور الوقت. ومع ذلك، لا تسير الأمور دائمًا على ما يرام. فبينما تتمتع الشركات العائلية بالعديد من المزايا، فإنها تواجه أيضًا بعض التحديات، منها:

  1. الابتكار لتحقيق ميزة تنافسية: بيئة الأعمال اليوم شديدة التنافسية. وللبقاء والنمو في هذه البيئة التنافسية، يصبح الابتكار وتقديم قيمة فريدة للعملاء أمرًا بالغ الأهمية. وللابتكار، يجب توسيع نطاق أهداف العمل وصياغة استراتيجيات جديدة. قد يعني هذا أن على الشركات التخلي عن أساليب العمل التقليدية. لكن الشركات العائلية قد تبقى حبيسة ممارساتها القديمة دون الاستثمار في البحث والتطوير.
  2. محدودية المواهب: في الشركات العائلية، يكون المالكون والمديرون في الغالب من أفراد العائلة، وقد لا يمتلك أفراد العائلة بالضرورة الموهبة والقدرة على مواصلة مسيرة الشركة. لذا، يُعد استقطاب الكفاءات المناسبة من خارج العائلة أمرًا بالغ الأهمية، ويعد الاحتفاظ بها أكثر أهمية.
  3. غياب التخطيط لخلافة الإدارة: هناك نقص في التخطيط الفعال لخلافة القيادة، والتوجيه، وتطوير الجيل القادم من الخلفاء والقادة. يتعين على الشركات العائلية إيلاء هذا الأمر اهتمامًا بالغًا.
  4. الحاجة إلى التكنولوجيا: مع تغير البيئة والتطورات التكنولوجية المتسارعة، بات لزامًا على الشركات العائلية التكيف مع التطورات التكنولوجية الجديدة، أو تبني أساليب جديدة عند الضرورة. قد يعني هذا التخلي عن نماذج الأعمال القديمة التي توارثتها الأجيال الحالية.
  5. التنافس بين الأشقاء: التنافس بين الأشقاء أمر لا يحتاج إلى شرح، فجميع ورثة العائلة يحصلون على حصة في الشركة. قد ينجح بعضهم ويزدهر، بينما قد لا ينجح آخرون. وهذا غالبًا ما يُولد تنافسًا حادًا، ويبدأ فيه البعض بالهجوم على بعضهم البعض، حتى على حساب موارد الشركة. إذا لم يُحلّ هذا التنافس، فقد يؤدي ذلك إلى انقسام الشركة العائلية.
  6. الصراعات الداخلية: تتباين مصالح أفراد العائلة في الشركة العائلية، مما قد يُخل بالتناغم التجاري. يُعد التعامل مع هذا الصراع الداخلي أمرًا بالغ الصعوبة، وإذا لم يُعالج بشكل سليم، فقد يؤدي ذلك إلى فشل الشركة.
  7. اتخاذ القرارات المتحيزة: هناك دائمًا احتمال أن تكون القرارات في الشركة العائلية متحيزة لصالح غير أفراد العائلة وموظفيها، وقد يحاول أفراد العائلة فرض أفكارهم على الآخرين.
  8. عدم وضوح الأدوار والمسؤوليات: غالبًا ما يكون هناك نقص في التوثيق المناسب الذي يحدد أدوار ومسؤوليات أفراد العائلة في تنظيم الشركة العائلية. قد يؤدي هذا إلى الفوضى وسوء الإدارة.
  9. نقص الكفاءة المهنية: تُعد بيئات العمل الاحترافية نتاجًا لعمليات رسمية، تشمل وضع أهداف واضحة وإنفاذ قواعد صارمة، فضلًا عن توظيف الموظفين وترقيتهم بناءً على إمكاناتهم وقدرتهم على المساهمة. مع ذلك، في العديد من الشركات العائلية، قد يؤدي الهيكل غير الرسمي والثقافة السائدة إلى التباس في الأدوار، ونقص في الكفاءات، واستحالة تحديد القيم، والأخلاقيات، والفلسفات.
  10. محدودية التمويل: تواجه الشركات العائلية خيارات تمويل محدودة، إذ لا تستطيع جمع رؤوس أموال كبيرة بمفردها، وقد لا تكون خيارات التمويل الخارجي جذابة لها، لأن الديون الخارجية قد تُؤدي إلى نفوذ كبير على الشركة. بالنسبة للشركات العائلية، يُعد تحديد مصادر وكيفية الحصول على رأس المال والموارد اللازمة للنمو تحديًا كبيرًا[43].

4-3. الأسر المنتجة ودورها في التنمية الاقتصادية للمجتمع: قراءة تحليلية للتجربة اليمنية في ضوء التجارب العالمية

تتمثل أهمية مشاريع الأسر المنتجة في كونها تشكل قوة إنتاجية تعمل على زيادة متوسط دخل الفرد للأسرة، وتوفر فرص عمل واعدة. ولا يقتصر دورها في رفد الجانب الاقتصادي فحسب، بل تلعب دورًا في التنمية الاجتماعية من خلال خفض معدلات الفقر والبطالة، وتحفيز المشاركة المحلية في الاقتصاد الوطني. إن لمشاريع الأسر المنتجة أهمية كبيرة للمجتمع، لا سيما للفئات المهمشة اجتماعيًا، حيث تُسهم في تطوير أداء الأفراد وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم بدلًا من الاعتماد على الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، تساعد في تنمية قدرات الفرد وإبداعه، وتطوير مفهوم الريادة والابتكار، والابتعاد عن الاعتماد الكلي على الوظائف التقليدية، كما تساعد على توفير فرص عمل في القطاعات ذات الإنتاجية البسيطة والكثافة العالية للعمل.

علاوةً على ذلك، تمثل هذه المشاريع أهمية بالغة في سياق تخفيف الطلب على الوظائف الحكومية، ومواجهة تحديات فائض العمالة وندرة رأس المال، كما توفر فرص عمل لجميع الفئات المختلفة، بما في ذلك الفئات المهمشة والمستضعفة في الأحياء المتدهورة عمرانيًا. تلبي هذه المشاريع احتياجات الأسر من السلع والخدمات بأسعار متوافقة مع قدراتهم الشرائية، وتعتمد بشكل كبير على الموارد المحلية وتقنيات الإنتاج المحلية[44].

وبالعودة إلى التجربة اليمنية وفي ظل الوضع الراهن، نرى أن الأسرة اليمنية تعيش واقعًا مأساويًا تصنفه الأمم المتحدة كأحد أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، فقد زادت مساحة الفقر الذي يعاني منه اليوم ما بين 71% و 78% من السكان، وتعد أزمة الغذاء في اليمن الأولى من بين أسوأ عشر أزمات غذائية عالمية، ووصل معدل الجوع في اليمن إلى مستوى لم يسبق له مثيل، فهناك (15.9) مليون شخص ينامون جوعى، ونحو (19) مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، و(20.7) مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، و(14) مليون شخص بحاجة ملحة إلى المساعدات. وما زالت أزمة الغذاء في طريقها للتفاقم، فهناك (24.1) مليون شخص تعرضوا لخطر المجاعة والمرض في عام 2023م، مقابل (23.4) مليون شخص كانوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية[45].

كل ذلك كان نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للأداء الضعيف لدور التنمية في اليمن من مختلف الأبعاد التنموية؛ الأمر الذي تطلب خطة عمل شاملة تعالج مختلف النواحي المترابطة للتنمية، تقوم على اتباع نهج شامل لبناء السلام. فعلى سبيل المثال، تُبين النتائج أن الصراعات أسهمت إلى حد كبير في تراجع التنمية، وتسببت في تدهور الوضع المادي للمواطنين. تتطلب خطط الإعمار وإعادة الإعمار إصلاحات على صعيد الحوكمة والمؤسسات، لأن أي عمل يهدف إلى إجراء تحسينات في التنمية لا يمكن أن يستمر في ظل انهيار الدولة أو فشلها[46].

وعلى الرغم من أدوار مشاريع الأسر المنتجة الفعالة في التخفيف من حدة الفقر، ومعالجة البطالة، وانقطاع الرواتب أو ضعفها، وتحسين مستويات الدخل للأسرة، فإنها تواجه تحديات ومعوقات كبيرة تحد من الطموحات المأمولة والمرجوة منها. ويمكن أن نشير إلى أبرز هذه المعوقات التي تواجه برامج ومشاريع الأسر المنتجة في تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع اليمني، وذلك على النحو الآتي:

  1. ضعف الإمكانيات المادية، حيث تواجه برامج الأسر المنتجة عجزًا في تغطية النفقات التشغيلية - التجهيزات والآلات - الإيجارات للمقرات - المرتبات والأجور - البناء والتشييد - وسائل النقل، مما يؤدي إلى تعثر عملية التدريب بالمراكز في كثير من الأحيان.
  2. المبالغ المحصلة من الدعم الخارجي والتي تنعكس على شكل منتجات قابلة للتسوق توجه كإيرادات عامة للدولة وليس لصالح تطوير المشروعات بحسب الأنظمة المالية المتبعة.
  3. عدم توفر دراسات جدوى عند إعداد وتنفيذ المشاريع الخاصة بالأسر المنتجة، وعدم وجود آليات فاعلة لتسويقها، ونقص المواد اللازمة للتدرب عليها.
  4. صعوبة استقطاب الأسر المنتجة، لا سيما بين صفوف الملتحقات بالمراكز في المجالات الجديدة والحديثة المطلوبة في سوق العمل، لا سيما في مناطق الأرياف.
  5. عدم توفر معارض تسويقية دائمة ومدعومة من قِبل الدولة لتسويق المنتجات التي تنتجها هذه الأسر، والاقتصار فقط على بعض المعارض والفعاليات الموسمية من وقت لآخر.
  6. محدودية برامج التغطية الإعلامية للتعريف بأهمية برامج الأسر المنتجة، والتوعية بضرورة تظافر كل الجهود لدعم المنتج المحلي، ومساعدة الأسر التي هي بحاجة إلى التعريف بمنتجاتها والترويج لها.
  7. عدم توفر دورات تدريبية متطورة تراعي احتياجات السوق والتطورات الحادثة فيه، في ظل وجود منافسة قوية من المنتجات الخارجية والتي تكون ذات كفاءة وجودة أعلى وأسعار تنافسية مقارنة بالمنتج المحلي.
  8. تعرض بعض الآلات، والمعدات، والتجهيزات للتلف بسبب تكرار انتقال المراكز بين المباني المستأجرة، والتـي تشكل 60% من مقرات الأسر المنتجة[47].
  9. صعوبة توفير الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ مشاريع الأسر المنتجة، لا سيما مع استمرار الصراع القائم الذي أدى إلى تقليص نسبة الدعم المقدم من الجهات الداعمة التي غادرت البلاد، لا سيما في مناطق الشمال.

كل هذه المعوقات وغيرها تُعد من أهم المعوقات التي تواجه برامج الأسر المنتجة في اليمن في ظل هشاشة البنية التحتية المؤسسية والتنموية للقطاع الداعم لها، ما أدى إلى ضعف المشاركة الفاعلة للأسر المنتجة في عملية التنمية في المجتمع اليمني.

ففي الوقت الذي استطاعت كثير من الدول المتقدمة أن تتجاوز مرحلة توظيف الأسر المنتجة كأداة لمكافحة الفقر والبطالة، وقامت بدمجها ضمن رؤية اقتصادية تنموية متكاملة تُسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية المستدامة، لا يزال هذا القطاع في بلادنا يواجه تحديات كبيرة تمنعه من التحول إلى رافد اقتصادي فعال. بالتالي، فإنه إذا لم يتم إيجاد تدخلات جادة وشاملة ترتكز على تعزيز الاستقرار في البلاد، والعمل على أسس التخطيط الاستراتيجي، ودعم البنية التحتية والمؤسسية، وتوفير التمويل المستدام، سيبقى هذا القطاع عاجزًا عن تحقيق الدور التنموي المنشود في دعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.

4. النتائج والتوصيات

1-4. النتائج

  1. تتمثل سياسات الحماية الاجتماعية الموجهة للأسرة اليمنية في منظومة من التشريعات والبرامج الحكومية الداعمة التي تهدف إلى ضمان حق الأسرة في الرعاية والضمان الاجتماعي، وتقديم المساعدات النقدية والعينية للحد من آثار الفقر، والمرض، والبطالة، والكوارث. كذلك، تسعى هذه السياسات إلى تمكين الأسر اقتصاديًا من خلال برامج التدريب والتأهيل ودعم مشاريع الأسر المنتجة، بما يُسهم في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
  2. أسهمت مشاريع الأسر المنتجة بصورة ملموسة في تحسين الأوضاع المعيشية لعدد كبير من الأسر اليمنية التي فقدت مصادر دخلها، لا سيما في ظل تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2015م؛ الأمر الذي يعكس جدوى هذه المشاريع كآلية للتكيف الاقتصادي والاجتماعي في سياق الأزمات.
  3. تتسم مشاريع الأسر المنتجة في اليمن بالتنوع والتعدد من حيث الأنشطة والقطاعات. يتحدد نوع المشروع وطبيعته تبعًا لعدة عوامل رئيسة، في مقدمتها البيئة الجغرافية التي يُنفذ فيها المشروع، وما تفرضه من احتياجات ومتطلبات خاصة؛ الأمر الذي يؤثر في اختيار النشاط الملائم، ويُسهم في تلبية جزء من احتياجات المجتمع المحلي.
  4. هناك تنوع كبير في الجهات الداعمة لمشاريع الأسر المنتجة في اليمن، سواءٌ الرسمية منها أو الدولية، حيث يشمل الدعم مجالات متعددة، أبرزها: التمويل المالي المباشر، والدعم الفني والتقني، وبرامج التدريب وبناء القدرات، إضافة إلى الإشراف على تنفيذ المشاريع ومتابعتها وتقييمها، بهدف تعزيز فاعليتها وضمان استدامتها.
  5. إن دعم وتمكين الأسر اليمنية المنتجة بات يمثل ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة، لما له من دور محوري في تعزيز قدرة الأسر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة نتيجة الأوضاع الراهنة.
  6. هناك طرق متعددة لدعم مشاريع الأسر المنتجة بصورة أكثر فاعلية، وذلك من خلال الاعتماد على المنهجيات القائمة على سُبُل العيش المستدام، وتطبيق الآليات القائمة على دراسات الجدوى الاقتصادية، وتوفير برامج التأهيل والتدريب المناسبة، إلى جانب تبني بدائل التسويق الإلكتروني بدلًا من أساليب التسويق التقليدية الموسمية والمؤقتة، بما يسهم في تحسين فرص نجاح هذه المشاريع واستمراريتها.
  7. أظهرت تجارب عدد من الدول في دعم الأسر المنتجة دورها الفاعل في تعزيز التنمية الاقتصادية، حيث برزت نماذج دولية ناجحة، من بينها إيطاليا التي اعتمدت على الشركات العائلية كرافد أساسي للاقتصاد الوطني، وكوريا الجنوبية التي دعمت الابتكار وريادة الأعمال الأسرية عبر برامج حكومية وتدريب تقني متخصص، إضافة إلى الهند التي تبنّت المشروعات الصغيرة والتمويل المتناهي الصغر لتمكين الأسر محدودة الدخل، ولا سيما المعيلة من النساء.
  8. لقد تجاوزت العديد من الدول المتقدمة مرحلة توظيف مشاريع الأسر المنتجة كأداة لمكافحة الفقر والبطالة وغيرها من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، واتجهت نحو دمجها ضمن رؤى اقتصادية تنموية شاملة تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز التنمية المستدامة. في المقابل، لا تزال مشاريع الأسر المنتجة في اليمن تواجه تحديات إدارية، وهيكلية، وتنظيمية تحول دون تحولها إلى رافد اقتصادي فاعل.

2-4. التوصيات:

  1. تطوير سياسات الحماية الاجتماعية للأسرة اليمنية من خلال تعزيز التكامل بين برامج الرعاية الاجتماعية وبرامج التمكين الاقتصادي، بما يضمن الانتقال التدريجي من نمط المساعدات الإغاثية إلى نمط الاعتماد على الذات، مع مراعاة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الراهنة في اليمن.
  2. توسيع نطاق دعم مشاريع الأسر المنتجة، مع إعطاء أولوية للأسر الأشد فقرًا والمتضررة من النزاع، ولا سيما الأسر التي فقدت مصادر دخلها منذ عام 2015م، باعتبار هذه المشاريع أداة فاعلة لتحسين سُبُل العيش، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
  3. مراعاة الخصوصية الجغرافية والبيئية عند تصميم وتنفيذ مشاريع الأسر المنتجة، من خلال توجيه الأسر نحو أنشطة إنتاجية تتلاءم مع الموارد المحلية واحتياجات المجتمع، بما يُسهم في رفع كفاءة المشاريع وزيادة فرص نجاحها واستدامتها.
  4. تعزيز التنسيق والشراكة بين الجهات الحكومية، والمنظمات الدولية، والمانحين المحليين، بهدف توحيد الجهود، وتجنب الازدواجية في دعم مشاريع الأسر المنتجة، وضمان توجيه الموارد المالية والفنية نحو مشاريع ذات جدوى اقتصادية واجتماعية واضحة.
  5. التركيز على برامج بناء القدرات والتدريب المهني والتقني للأسر المنتجة، وربطها باحتياجات السوق المحلية، بما يُعزز مهارات المستفيدين ويرفع جودة المنتجات والخدمات المقدمة.
  6. اعتماد منهجيات سُبُل العيش المستدام في دعم مشاريع الأسر المنتجة، من خلال إجراء دراسات جدوى مبسطة قبل التنفيذ، وتوفير آليات متابعة وتقييم مستمرة، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد وتحقيق الأثر التنموي المرجو.
  7. التوسع في استخدام أدوات التسويق الإلكتروني والمنصات الرقمية المحلية كبديل أو مكمل لأساليب التسويق التقليدية، مع توفير التدريب اللازم للأسر على مهارات التسويق الرقمي، بما يُسهم في توسيع نطاق الوصول للأسواق، وتقليل المخاطر المرتبطة بالمواسم والظروف الأمنية.
  8. الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في مجال دعم الأسر المنتجة، من خلال مواءمتها مع الواقع اليمني، وبما يراعي الإمكانات المتاحة والظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية السائدة في اليمن.
  9. دمج مشاريع الأسر المنتجة ضمن الخطط والسياسات التنموية الوطنية والمحلية، وعدم حصرها في إطار الاستجابة الإنسانية المؤقتة، بما يعزز دورها كرافد اقتصادي فاعل يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.

5. خاتمة

في ضوء ما تم استعراضه في هذا البحث حول دور الأسر المنتجة في المجتمع، وما تناولناه من أطر تشريعية للحماية الاجتماعية في اليمن، إلى جانب عرض واقع مشاريع الأسر المنتجة والجهات الداعمة لها، ومقارنة ذلك بتجارب عالمية رائدة كإيطاليا، وكوريا، والهند، تتضح لنا أهمية هذا القطاع كرافد حقيقي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لقد كشفت القراءة التحليلية للتجربة اليمنية أن هناك إمكانات واعدة يمكن استثمارها، رغم حجم التحديات والمعوقات التي تواجهها الأسر المنتجة في ظل الأوضاع الراهنة.

إن تبني سياسات واضحة، وتوفير بيئة داعمة، وتعزيز الشراكات بين الجهات الرسمية والدولية، كفيل بتحويل هذه المشاريع من جهود فردية متناثرة إلى منظومة إنتاجية فاعلة تُسهم في خفض معدلات الفقر والبطالة، وتمكين الأسرة اليمنية اقتصاديًا واجتماعيًا.

إن النهوض بواقع الأسر المنتجة يتطلب إرادة سياسية وتشريعية، واستراتيجيات تنموية مستدامة، تعمل على الاستفادة من السُبل الداعمة للأسر المنتجة، وتضع الأسرة في المقدمة كأساس لعملية التنمية، وتُعيد الاعتبار لدورها المحوري في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات وتجاوز المعوقات التي تحد من أدواره في دفع عجلة التنمية للمجتمع.

إخفاء المراجع

المراجع

  • الرديعان، خالد: مشروعات الأسر المنتجة المتميزة وكيفية تطويرها في دول مجلس التعاون واليمن، سلسلة الدراسات الاجتماعية والعمالية، العدد (61)، المجلس التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، البحرين، 2010م، ص 35.
  • المسرحي، أسماء والزامل، وليد: الارتقاء باقتصاديات الأسر المنتجة كمدخل لتجديد الأحياء المتدهورة عمرانيًا حالة دراسية حي العود في مدينة الرياض، المجلة الدولية للهندسة المعمارية والبحوث، المجلد السابع، العدد (1)، مصر، 2024م، ص 3.
  • نجار، حنين محمد والحربي، سهيل: فاعلية برنامج تدريبي مقترح قائم على بيئة تعليم إلكتروني تكيفي في تنمية مهارات التفكير المنتج لدى الأسر المنتجة بمدينة جدة، المجلد السابع، مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد (33)، المؤسسة العربية للعلوم ونشر الأبحاث، الولايات المتحدة الأمريكية، 2023م، ص 92.
  • مشابة، شيماء وبوطريف، ميساء: أثر مواقع التواصل على تسويق منتجات الأسر المنتجة بميلة، رسالة ماجستير، قسم تسويق الخدمات، العلوم التجارية، المركز الجامعي عبدالحفيظ بوالصوف ميلة، الجزائر، 2024م، ص 31.
  • الزامل، وليد: استثمار مواقع التراث العمراني كمدخل لدعم الأسر المنتجة، مجلة المدينة العربية، العدد (180)، منظمة المدن العربية، الكويت، 2018م، ص 36.
  • بوضياف، ياسين: التنمية الاقتصادية في الجزائر بين متطلبات الحاضر ورؤية المستقبل، المجلد الثالث، العدد (2)، جامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف، الجزائر، 2016م، ص 186.
  • متوكل، نبيل وبنطالب، مولود: مفهوم التنمية، أبعادها واستراتيجياتها «المغرب أنموذجًا»، مجلة حمورابي، العدد (50)، مركز حمورابي، العراق، 2024م، ص 462.
  • Maryann Feldman et al. The Logic of Economic Development: A Definition and Model for Investment. University of North Carolina, Chapel Hill. 2016. P 9.
  • سكوت، جون: علم الاجتماع المفاهيم الأساسية، ترجمة: محمد عثمان، الطبعة الأولى، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، لبنان، 2009م، ص 335.
  • غريب، عبدالسميع: علم الاجتماع مفهومات وموضوعات ودراسات، بدون طبعة، مؤسسة شباب الجامعة، مصر، 2009م، ص 42.
  • Landau, Sidney. Webster›s Student Dictionary. International Encyclopedic Edition. Trident Press International. 1996. P 696.
  • النيابة العامة، مكتب النائب العام: قانون رقم (31) لسنة 1996م بشأن الرعاية الاجتماعية، الرابط: https://agoyemen.net/lib_details.php?id=62
  • علوي، خلود: دراسة لمراكز الأسر المنتجة في عدن، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الإدارة العامة للأسر المنتجة وتنمية المجتمع، اليمن، 2024م، ص 2.
  • الرديعان، خالد: مشروعات الأسر المنتجة المتميزة وكيفية تطويرها في دول مجلس التعاون، مرجع سابق، ص 212-213.
  • الزبير، أحمد: دور مشروعات الأسر المنتجة في تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للأسر الفقيرة، رسالة ماجستير، قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والخدمة الاجتماعية، كلية الدراسات العليا، جامعة النيلين، السودان، 2016م، ص 84.
  • ملاحظة: تم جمع البيانات المذكورة في الشكل من خلال جمع الباحثة لمادة علمية حول الأسر المنتجة في اليمن، ومن ثم تم توزيعها إلى مجالات كما هو موضح في الشكل المرفق.
  • الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في اليمن الوضع الراهن: التداعيات، الجهود، المعالجات، مجلة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية، العدد (78)، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية، اليمن، 2023م، ص 18.
  • العريقي، رويدا: واقع التمكين الاقتصادي للمرأة اليمنية في ظل الحرب للفترة من (2015-2020م)، مجلة مركز جزيرة العرب للبحوث التربوية والإنسانية، المجلد الثاني، العدد (17)، مركز جزيرة العرب للبحوث والتقييم، اليمن، 2023م، ص 111.
  • المرجع السابق نفسه، ص 111.
  • الأمم المتحدة، البنك الإسلامي للتنمية: تقرير حول سير عمل برنامج التمكين الاقتصادي للأسر الفلسطينية المنتجة - المرحلة الثانية حتى 31 كانون الأول 2016م، فلسطين، 2017م، ص 7-8.
  • مشابة، شيماء وبوطريف، ميساء: أثر مواقع التواصل على تسويق منتجات الأسر المنتجة بميلة، مرجع سابق، ص 35.
  • الزامل، وليد: استثمار مواقع التراث العمراني كمدخل لدعم الأسر المنتجة، مرجع سابق، ص 46.
  • مشابة، شيماء وبوطريف، ميساء: أثر مواقع التواصل على تسويق منتجات الأسر المنتجة بميلة، مرجع سابق، ص 24.
  • Mandl, Irene. Overview of Family Business Relevant Issues. Austrian Institute for SME Research. Vienna. 2008. P 14.
  • IFC Family Business Governance Handbook. International Finance Corporation. 4th edition. USA. 2018. P 12.
  • Pandey, Anupriya. Family Businesses in India. Indira Gandhi National Open University, New Delhi. 2021. P 300.
  • Schillaci et al. Family Business Foundations: Theoretical and Empirical Investigation. Journal of Innovation and Entrepreneurship. Vol. 2. Italy. 2013. P 18.
  • Ammirato, Piero. The Growth of Italian Cooperatives: Innovation, Resilience and Social Responsibility. Deakin University. April, 2018. P 1.
  • Schillaci et al. Family Business Foundations: Theoretical and Empirical Investigation. Journal of Innovation and Entrepreneurship. Vol. 2. Italy. 2013. P 3-5.
  • Ammirato, Piero. The Growth of Italian Cooperatives: Innovation, Resilience and Social Responsibility. Deakin University. April, 2018. P 6.
  • Sima, Silvia Toro. Chaebol companies as the backbone of South Korea’s economy: Birth, growth, and later abuse of power. LUISS. 2021. Italy. P 20.
  • Hattori, Tamio. Chaebol-Style Enterprise Development in Korea. The Developing Economies. Dec, 1997. P 459.
  • قصص نجاح عائلات «تشايبول» الكورية الجنوبية تشوبها الفضائح، الرابط: https://asharqbusiness.com/economics/39/ ، 21، ديسمبر، 2020م.
  • Taha, Saara. Chaebols and Their Impact on South Korean Society. Bachelor’s thesis. Metropolia University of Applied Sciences, Helsinki. April, 2022. P 33.
  • Kwon, Seung-Ho and O’Donnell, Michael. The Chaebol and Labour in Korea: The development of management strategy in Hyundai. Taylor & Francis e-Library. 2003. Britain. P 14.
  • Kim, Keunsoo. Chaebols and Their Effect on Economic Growth in South Korea. Korean Social Sciences Review | Vol. 3, No. 2. Korea. 2013. P 2.
  • Ibid. P 1.
  • Ibid. P 3.
  • Manish at el. Family business in India. India Corporate Solutions Group. Alvarez and Marsal. 2018. P 2-3.
  • Pandey, Anupriya. Family Businesses in India. Indira Gandhi National Open University, New Delhi. 2021. P 309.
  • Sapovadia, Vrajlal. Corporate Governance Issues in Indian Family-Based Businesses. Shanti Business School, Ahmedabad, India. Feb. 2012. P 29.
  • Business School, Ahmedabad, India. Feb. 2012. P 21.
  • Pandey, Anupriya. Family Businesses in India. Indira Gandhi National Open University, New Delhi. 2021. P 310-311.
  • المسرحي، أسماء والزامل، وليد: الارتقاء باقتصاديات الأسر المنتجة كمدخل لتجديد الأحياء المتدهورة عمرانيًا حالة دراسية حي العود في مدينة الرياض، مرجع سابق، ص 4.
  • الأخصب، أحمد: الحماية الاجتماعية في اليمن: التدخلات الدولية في سياق الحرب، ملتقى المنطقة العربية للحماية الاجتماعية، لبنان، 2024م، ص 8.
  • أبو إسماعيل، خالد وآخرون: تحديات التنمية في اليمن، الإسكوا، الأمم المتحدة، لبنان، 2023م، ص 23.
  • الرديعان، خالد: مشروعات الأسر المنتجة المتميزة وكيفية تطويرها في دول مجلس التعاون، مرجع سابق، ص 226.

إخفاء المراجع

المراجع