الرئيسية | دراسات أُسس | التحول الرقمي الحكومي في الیمن

التحول الرقمي الحكومي في الیمن

تعقيدات الواقع وإمكانيات التحول في ضوء التجارب الدولية الرائدة

10 أبريل 2026
أ.د. عبد الغني أحمد علي الحاوري

الملخص

هدف إلى تحليل واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن، وتشخيص تعقيداته البنيوية. واعتمد البحث على المنهج الوصفي من خلال مقاربة تحليلية - مقارنة، تقارن الحالة اليمنية بخمس تجارب دولية رائدة في التحول الرقمي الحكومي، وأظهرت النتائج أن التحول الرقمي في اليمن لا يزال في مرحلة ما قبل التأسيس، حيث تتسم المبادرات الرقمية بالتجزئة، وغياب التكامل المؤسسي، وضعف الإطار التشريعي، وتآكل الثقة المجتمعية، ما يجعل الرقمنة القائمة أقرب إلى خطاب تحديثي رمزي منها إلى مشروع إصلاحي فعلي. كما تُظهر المقارنة الدولية أن نجاح التحول الرقمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتكامل الرؤية السياسية، والحوكمة الرقمية، والاستثمار في رأس المال البشري، أكثر من ارتباطه بتقدم البنية التقنية وحدها.

وفي ضوء هذا الواقع يقترح البحث إطارًا استشرافيًا للتحول الرقمي الحكومي في اليمن يقوم على ثلاثة سيناريوهات محتملة: سيناريو الحد الأدنى، وسيناريو التدرّج، وسيناريو التحول الشامل، مع ترجيح السيناريو التدرّجي بوصفه الأكثر واقعية في السياق اليمني الراهن، كما يقدم البحث نموذجًا للتحول الرقمي يستند إلى مقاربة مرحلية، وتحديد أولويات واقعية، وتوزيع واضح للأدوار بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين.

الكلمات المفتاحية: التحول الرقمي الحكومي، الحوكمة الرقمية، الدول الهشة، التجارب الدولية.

Abstract

This study aims to analyze the current state of government digital transformation in Yemen and to diagnose its structural complexities. The research adopts a descriptive approach through an analytical–comparative framework, comparing the Yemeni case with five leading international experiences in government digital transformation. The findings reveal that digital transformation in Yemen remains at a pre-foundational stage, characterized by fragmented digital initiatives, lack of institutional integration, weak legislative frameworks, and erosion of public trust. As a result, existing digitalization efforts are closer to a symbolic modernization discourse than to a genuine reform project. The international comparison further demonstrates that the success of digital transformation is closely linked to the integration of political vision, digital governance, and investment in human capital, rather than to technological infrastructure alone.

In light of this reality, the study proposes a forward-looking framework for government digital transformation in Yemen based on three possible scenarios: the minimum scenario, the gradual scenario, and the comprehensive transformation scenario. The gradual scenario is favored as the most realistic option within the current Yemeni context. The study also presents a digital transformation model grounded in a phased approach, the identification of realistic priorities, and a clear distribution of roles among governmental and non-governmental actors.

Keywords: Government Digital Transformation, Digital Governance, Fragile States, International Experiences.

1. الإطار العام للبحث

1-1. المقدمة

يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة في أنماط الإدارة، بفضل التقدم المتسارع في تقنيات المعلومات والاتصالات، وما أفرزته من نماذج جديدة للحكومة الرقمية والخدمات الإلكترونية. ولم يعد التحول الرقمي الحكومي خيارًا ترفيًّا أو مسألة تقنية بحتة؛ بل أصبح مدخلًا استراتيجيًا لإعادة بناء المؤسسات العامة، وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الخدمات، ورفع مستوى الثقة بين الحكومة والمجتمع.

وفي هذا السياق؛ سعت العديد من الدول المتقدمة والنامية على حدٍ سواء إلى تبني استراتيجيات للتحول الرقمي الحكومي، مستثمرةً في البنية التحتية الرقمية، وتحديث الأطر التشريعية، وبناء القدرات المؤسسية والبشرية، وقد أفضت هذه الجهود إلى تحقيق قفزات نوعية في الأداء الحكومي، وتكريس نماذج ناجحة للحكومة الرقمية القادرة على تلبية احتياجات المواطنين بكفاءة ومرونة.

في المقابل؛ يواجه التحول الرقمي الحكومي في اليمن سياقًا شديد التعقيد، يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والمؤسسي بالتقني، في ظل حالة عدم الاستقرار، وتراجع البنية التحتية، وانقسام المؤسسات، وشحة الموارد، ما جعل مسار التحول الرقمي محدودًا ومجزَّأً، رغم الحاجة الملحّة إليها. وتطرح هذه الحالة تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحديات التي تعيق التحول الرقمي الحكومي في اليمن، وكيفية تجاوزها، ومدى الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة دون الوقوع في فخ النقل غير النقدي، أو الإسقاط غير الملائم للسياق اليمني.

ويندرج التحول الرقمي الحكومي في اليمن ضمن سياق الدول الهشة، التي تعاني من ضعف القدرة المؤسسية، وتآكل احتكار الدولة للسلطة، وتراجع تقديم الخدمات العامة، في ظل صراعات ممتدة وأزمات سياسية واقتصادية مركبة، وفي هذا النوع من السياقات، لا يُعد التحول الرقمي مسألة تقنية أو إدارية فحسب، بل تحديًا بنيويًا يتقاطع مع إشكالات الحكم، وإعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، ما يفرض مقاربات تحليلية تتجاوز نماذج التحول في الدول المستقرة.

ويهدف التحول الرقمي إلى إحداث تحول بنيوي في نماذج العمل الحكومي من الناحية المؤسسية بغرض رفع كفاءة الأداء، والحد من البيروقراطية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإعادة تشكيل الاقتصاد من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار[1].

ويكتسب التحول الرقمي أهمية كبيرة، وأولوية تسعى إليها الدول والحكومات نظرًا لما يقدمه من فوائد كبيرة للمؤسسات كالتغيير في ثقافة العمل وإبداع أساليب جديدة لممارسة المهام، وإنجاز المعاملات الحكومية وخدمة الجمهور، فالتحول الرقمي ليس مجرد ميكنة العمليات الإدارية؛ وإنما تغيير في نماذج الأعمال بفكر إبداعي[2].

وهو بهذا يساهم في حل المشكلات، وتطوير الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحسين تجربة العميل والابتكار في المؤسسات والمنظمات[3]، وتحسين العمليات، والاستخدام الرشيد للموارد، وتقليل الوقت، وتخفيض التكاليف[4].

ومن هنا فالقيمة الحقيقية للتحول الرقمي لا تكمن في إدخال التقنيات الحديثة بحد ذاتها؛ وإنما في قدرتها على تحقيق الشمول الرقمي، وربط المجتمع بالخدمات التي تقدمها الحكومة، وبالتالي يُنظر إلى التحول الرقمي كرافعة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لا سيما ما يتعلق بالتعليم والصحة والعمل والحد من أوجه عدم المساواة وبناء مؤسسات فعالة[5].

2-1. مشكلة البحث

على الرغم من الأهمية المتزايدة للتحول الرقمي الحكومي بوصفه أحد المداخل الرئيسة لتطوير الأداء المؤسسي، وتحسين جودة الخدمات العامة؛ إلا أن تطبيقه في السياقات الهشة والمتأثرة بالصراعات، كما هو الحال في اليمن، يواجه تعقيدات متعددة تتجاوز البعد التقني إلى أبعاد مؤسسية وتشريعية وإدارية وسياسية. فرغم وجود محاولات متفرقة للتحول الرقمي في بعض المؤسسات الحكومية اليمنية، إلا أن هذه الجهود ظلت محدودة الأثر، ومجزأة، وتفتقر إلى الرؤية الشاملة والاستدامة.

وتبرز المشكلة في غياب تشخيص علمي معمّق لطبيعة تعقيدات الواقع اليمني التي تعيق مسار التحول الرقمي الحكومي، وفي محدودية الدراسات التي تربط بين هذا الواقع وبين التجارب الدولية الرائدة، ليس على مستوى الوصف فقط، بل من حيث تحليل آليات النجاح، وإمكانات التكييف مع السياق المحلي. كما تتجلى المشكلة في ضعف الطرح الاستشرافي الذي يسعى إلى تجاوز تشخيص الواقع لاستكشاف إمكانيات التحول الممكنة، وصياغة مقاربات عملية تستند إلى التجارب الدولية دون الوقوع في النقل الآلي أو الإسقاط غير النقدي.

ومن هنا تتمثل مشكلة البحث في التساؤل الرئيس الآتي: ما تعقيدات واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن؟ وما إمكانيات التحول في ضوء التجارب الدولية الرائدة؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الآتية:

  1. ما واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن؟
  2. ما التحديات التي تعيق التحول الرقمي الحكومي في اليمن؟
  3. ما السمات الرئيسة للتجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي الحكومي؟ وما الدروس المستفادة منها في السياق اليمني؟
  4. ما الآفاق الممكنة للتحول الرقمي الحكومي في اليمن في ضوء الواقع القائم والتجارب الدولية؟

3-1. أهداف البحث: يهدف هذا البحث إلى:

  1. تحليل واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن.
  2. معرفة أبرز التحديات التي تعيق مسار التحول الرقمي الحكومي في اليمن.
  3. دراسة بعض التجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي الحكومي.
  4. استكشاف إمكانات التحول الرقمي الحكومي في اليمن في ضوء التجارب الدولية.

4-1. أهمية البحث

الأهمية النظرية:

  1. يسهم البحث في إثراء الأدبيات المحلية والعربية المتعلقة بالتحول الرقمي الحكومي في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات.
  2. يقدم مقاربة تحليلية تربط بين الواقع المحلي والتجارب الدولية.
  3. يعزز النقاش العلمي حول قابلية نقل نماذج التحول الرقمي في سياقات مختلفة.

الأهمية التطبيقية:

  1. يفيد صانعي القرار والمؤسسات الحكومية في فهم تعقيدات التحول الرقمي الحكومي في اليمن.
  2. يساعد الوزارات والمؤسسات الحكومية اليمنية في تصميم تدخلات أكثر واقعية.
  3. يقدّم أرضية تحليلية يمكن البناء عليها في إعداد استراتيجيات أو سياسات رقمية مستقبلية.

5-1. مصطلحات البحث

يعرِّف بعض الباحثين التحول الرقمي بأنه «استخدام التكنولوجيا لدعم عمليات التغيير الجذري لعمليات المؤسسة»[6]، وهو «تحويل نموذج أعمال المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص إلى نموذج يعتمد على التكنولوجيا الرقمية في تقديم الخدمات وتسيير الموارد البشرية»[7].

ويرى البعض أن التحول الرقمي عبارة عن «عملية تغير مؤسسي يعتمد على التقنيات الرقمية ونماذج الأعمال بهدف تحسين أداء المؤسسات»، ويشمل ذلك تحديث النماذج التشغيلية، والهياكل التنظيمية، والعاملين، والتقنيات المستحدثة، وإدارة المعلومات، والخدمات المقدمة، وآليات التعامل مع العملاء وتتم هذه العملية باستخدام تقنيات مثل: إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وتقنيات الهاتف المحمول، والذكاء الاصطناعي بما يؤدي إلى تغييرات جوهرية في المنظمات[8].

6-1. الدراسات السابقة

باستقراء الدراسات السابقة حول موضوع التحول الرقمي يتبين أنه تم تناول الموضوع من زوايا متعددة، عكست تنوع السياقات المؤسسية والقطاعية التي طُبّق فيها هذا التحول. ففي مجال العدالة الاجتماعية، هدفت دراسة بدوي (2025م)[9] إلى تحليل دور التحول الرقمي في تحقيق عدالة توزيع خدمات الدعم الحكومي، وأظهرت النتائج وجود علاقة قوية بين تطبيق التحول الرقمي وتحقيق العدالة، مع الإشارة إلى أن نقص الخبرة الرقمية لدى الموظفين يُعد من أبرز التحديات.

وفيما يتعلق بالوزارات؛ هدفت دراسة سقاط (2024م)[10] إلى تحليل واقع التحول الرقمي في وزارة الصحة السعودية، وكشفت نتائجها عن دور حاسم للقيادة في تبني توجهات استراتيجية للتحول الرقمي. كما أوضحت دراسة أبو لحية (2024م)[11] أن التحول الرقمي في وزارة المالية بغزة أسهم بشكل مباشر في تحسين الأداء العام وتعزيز الابتكار المؤسسي.

كما استهدفت دراسة تباني وآخرين (2022م)[12] تشخيص واقع التحول الرقمي في المؤسسات الخدمية، من خلال دراسة ميدانية بمديرية بريد الجزائر، وتوصلت إلى وجود تطبيق فعلي للتحول الرقمي في أداء الوظائف وتقديم الخدمات، مع الإشارة إلى أن أبرز التحديات تمثلت في ضعف الثقافة الرقمية والتسويقية.

وفي سياق القيادة والإدارة العامة، سعت دراسة Sanjayو Alnuaimi [13](2022م) إلى تحليل العلاقة بين القيادة التحويلية الرقمية، والمرونة التنظيمية، واستراتيجية التحول الرقمي في مؤسسات القطاع العام بدولة الإمارات، وكشفت نتائجها أن نجاح التحول الرقمي يرتبط بقدرة المؤسسات على تعطيل الأنماط التقليدية للعمل، وتعزيز المرونة التنظيمية، وتكامل استراتيجيات الموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات.

كما هدفت دراسة فاري (2021م)[14] إلى تحليل محددات نجاح التحول الرقمي في الشركات، وأظهرت نتائجها أن التحول الرقمي الناجح يسهم في تسريع الابتكار وتحسين الإنتاجية وتقليل التكاليف، في حين تمثلت أبرز معوقاته في ضعف القيادة الرقمية، ونقص الخبرة، ومقاومة التغيير، وغياب الرؤية.

وفي دراسة تطبيقية أخرى، استهدفت فاقي وعيشاوي (2021م)[15] التعرف على دور التحول الرقمي في تقليص الفجوة الاستراتيجية بمؤسسة اتصالات الجزائر، وتوصلت إلى وجود علاقة طردية ذات دلالة إحصائية بين أبعاد التحول الرقمي وتقليص الفجوة الاستراتيجية، بما يعكس أهمية التحول الرقمي كأداة لتحسين الاتساق المؤسسي.

وبينت دراسة جار حمو وآخرين (2021م)[16] أن التحديات الاستراتيجية تمثل عائقًا رئيسيًا أمام رقمنة الخدمات المالية في القطاع المصرفي، وأكدت أن تجاوز هذه التحديات يتطلب تحديث الأطر القانونية، وتطوير المهارات الرقمية، وتحسين جودة البنية التحتية للاتصال.

وفي الاتجاه نفسه، توصل بدير (2020م)[17] إلى تحديد قائمة محكمة بمتطلبات التحول الرقمي للجامعات المصرية، أبرزها المتطلبات التنظيمية والبشرية والتقنية، باعتبارها شروطًا حاسمة لنجاح الرقمنة في التعليم العالي.

وفي السياق الاستراتيجي، توصلت دراسة Raymond و Pelletier[18] (2020م) إلى أن التحول الرقمي الفعال يتطلب مواءمة واضحة بين استراتيجية الأعمال واستراتيجية تكنولوجيا المعلومات، وقدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة للتغيرات، كما قدمت دراسة Bounabatو Korachi[19] (2020) نموذجًا عامًا لصياغة استراتيجية التحول الرقمي، يرتكز على الوعي الاستراتيجي، والتخطيط المرحلي، وتحديد الأولويات وتخصيص الموارد.

ومن خلال عرض الدراسات السابقة يتبين ثراءً ملحوظًا في تناول التحول الرقمي عبر قطاعات وسياقات مؤسسية متعددة، مع تركيز واضح على أدوار القيادة، والحوكمة، والموارد البشرية، والمواءمة الاستراتيجية في إنجاح التحول الرقمي، غير أن معظم هذه الدراسات انطلقت من بيئات مستقرة نسبيًا، أو مؤسسات ذات أطر تشريعية وتنظيمية فاعلة، ما يحدّ من قابليتها للتعميم على الدول الهشة أو السياقات المتأزمة، كما يغلب عليها الطابع الوصفي أو التطبيقي الجزئي، دون مقاربة بنيوية شاملة تعالج التحول الرقمي بوصفه مشروعًا إصلاحيًا للدولة لا مجرد أداة لتحسين الأداء، ومن هنا تظهر الفجوة البحثية في ضعف الدراسات التي تتناول التحول الرقمي الحكومي في سياقات النزاع، وغياب النماذج الاستشرافية القابلة للتطبيق في دول مثل اليمن، وهو ما يسعى البحث الحالي إلى معالجته من خلال المقارنة الدولية وبناء سيناريوهات واقعية للتحول الرقمي الحكومي.

2. المدخل المنهجي للبحث

اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لعرض واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن، كما تم استخدام منهج المقارنة لمقارنة التجارب الدولية الرائدة بالواقع اليمني بهدف استشراف إمكانية التحول الرقمي في اليمن، وقد استند البحث على مصادر متنوعة، تشمل التقارير الدولية، والدراسات الأكاديمية، والوثائق الرسمية، والمؤشرات ذات الصلة بالتحول الرقمي والحكومة الإلكترونية.

تكوّن البحث من أربعة محاور يمثل كل محور إجابة على هدف من أهداف البحث المتمثلة في: تحليل واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن، ومعرفة التحديات التي تواجهه، ودراسة التجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي الحكومي، واستكشاف إمكانيات التحول الرقمي الحكومي في اليمن على ضوء الواقع القائم والتجارب الدولية.

3. التحول الرقمي الحكومي في اليمن، والتحديات التي تواجهه

1-3. واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن

لتحليل هذا الواقع تم الاعتماد على التقارير الدولية والمحلية والدراسات العلمية والوثائق الرسمية والمؤشرات ذات الصلة بالتحول الرقمي، من تلك التقارير تقرير الأمم المتحدة لعام (2024م) الذي أشار إلى أن اليمن من أقل الدول العربية تقدمًا في مجال التحول الرقمي، وأن هذا التحول ما يزال في مرحلة أولية جدًا يقتصر في الغالب على مبادرات محدودة وغير مكتملة دون وجود استراتيجية وطنية شاملة أو تنفيذ عملي مستدام، ويؤكد التقرير أن الخدمات الحكومية الرقمية شبه غائبة أو غير مفعلة وأن استخدام التكنولوجيا يقتصر في الغالب على النشر الإعلامي أو المبادرات الفردية دون تكامل مؤسسي أو ربط بين الجهات الحكومية، ويخلص التقرير إلى أن اليمن خارج مسار التحول الرقمي الفعلي، وهو ليس متأخر زمنيًا فحسب؛ وإنما هيكليًا ومؤسسيًا، والتحول الرقمي ليس سوى طموح نظري أكثر منه مشروعًا وطنيًا قابلًا للتنفيذ[20].

أما تقرير نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة (2024م) فيقيّم واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن وفق ثلاثة جوانب هي[21]:

1-1-3. النضوج الرقمي الحكومي

يشير التقرير إلى انقطاع شبه كامل لمسار التحول الرقمي الحكومي ليس بسبب الرؤية فقط؛ وإنما نتيجة لتظافر العديد من الأسباب أهمها: الحرب، الانقسام المؤسسي، ضعف البنية التحتية، تآكل الثقة في الحكومة، والتقرير هنا لا يسجل مجرد تأخر في عملية التحول الرقمي؛ وإنما يكشف أزمة حوكمة رقمية شاملة.

كما يظهر التقرير أن اليمن تقع في أدنى مستويات النضج الرقمي على الصعيد العربي، حيث بلغت القيمة الإجمالية للمؤشر (0.04)، ويعزى هذا الضعف إلى انخفاض حاد في أداء الركائز الأساسية للمؤشر ولا سيما ركيزتي توفر الخدمة وتطورها، واستخدام الخدمة ورضا المستخدم، اللتين سجلتا القيمة نفسها (0.04) ما يدل على قصور مزدوج يشمل جانب العرض الرقمي للخدمات وجانب الطلب والتفاعل المجتمعي معا، ويكشف التقرير عن فجوة هيكلية في قدرة الحكومة على تبني الحلول الرقمية بوصفه أداة لتحسين الأداء الحكومي وتعزيز كفاءة الخدمات العامة.

2-1-3. نطاق الخدمات الحكومية الرقمية

يشير التقرير إلى أن التقييم الرقمي شمل قطاعين فقط هما التعليم والمرافق، بينما غابت كليًا قطاعات حيوية مثل: الصحة والمالية والداخلية والتجارة وغيرها عن منظومة التخطيط الشامل للتحول الرقمي، وغياب رؤية متكاملة تستهدف رقمنة الخدمات ذات الصلة بحياة المواطنين، كما أن انخفاض عدد المؤسسات الحكومية المشاركة في التقييم يعكس هشاشة التنسيق المؤسسي، ويقلل من إمكانية بناء حكومة رقمية مترابطة وقادرة على تقديم الخدمات بشكلٍ مستدام وعادل.

3-1-3. الارتباط البنيوي بين ضعف التحول الرقمي والهشاشة الاقتصادية المؤسسة

يضع التقرير اليمن ضمن مجموعة الدول ذات النضج المبكر، وهذا يشير إلى تعثر مشاريع التحول الرقمي في اليمن، وهذا التعثر لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع المتمثل في الحرب، والانقسام الإداري، وتآكل البنية التحتية، وضعف القدرات المؤسسية، وهي تحديات تضعف من إمكانية الاستثمار في التحول الرقمي ومن فاعليته كرافعة للتنمية المستدامة.

بينما يضع تقرير الحكومة الإلكترونية لعام (2024م) الصادر عن الأمم المتحدة وفي مؤشر البنية التحتية للاتصالات ورأس المال اليمن ضمن الدول التي تعاني من فجوات هيكلية كبيرة نتيجة لضعف انتشار الإنترنت عريض النطاق، وتدني مستوى الجاهزية الرقمية، وتأثر القدرات المؤسسية والبشرية بالاضطرابات السياسية والاقتصادية الهشة[22].

كما يظهر التقرير فجوة في الإطار المؤسسي والتشريعي المنظم للعمل الرقمي الحكومي، فغياب القوانين الناظمة للمعاملات الإلكترونية، وحماية البيانات والأمن السيبراني يضعف الثقة في الأنظمة الرقمية ويحد من توسعها، كما أن ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية وتعدد مراكز اتخاذ القرار تؤدي إلى تكرار الجهود الرقمية[23].

ويشير تقرير التنمية الرقمية العربية 2.0 أن اليمن تصنف ضمن أدنى الدول العربية من حيث نسبة استخدام الإنترنت بين السكان، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت (7.7%) فقط وهي نسبة متدنية للغاية، وتعكس فجوة رقمية حادة تعيق مسارات التحول الرقمي، ويلاحظ أن هذا الضعف لا يقتصر على فئة عمرية معينة؛ بل يمتد ليشمل مختلف الفئات العمرية ما يكشف محدودية الانتشار[24].

كما وضع التقرير السابق اليمن ضمن مجموعة الدول العربية التي تعاني نزاعات ممتدة، وهشاشة مؤسسية إلى جانب السودان والصومال وليبيا والعراق، وهي دول تتسم باتساع الفجوة الرقمية عند مقارنتها ببقية الدول العربية، ويشير التقرير أن هذه الفجوة لا ترتبط فقط بمستوى الدخل؛ وإنما تتداخل فيها عوامل عديدة منها: ضعف الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وغياب الاستقرار، الأمر الذي يجعل عملية التحول الرقمي عملية معقدة[25].

ويشير التقرير إلى أنه على الرغم أن تنظيم شبكات الهاتف النقال من الجيل الثالث في عدد من الدول العربية تقترب من المستويات العالمية؛ فإن اليمن يبقى استثناء، إذ لا يعكس انتشار شبكات الهاتف النقال استخدام واقع للإنترنت بسبب انخفاض جودة الخدمة وارتفاع التكاليف، وأن ارتفاع تكلفة الإنترنت يعد أحد أبرز العوائق أمام النفوذ الرقمي في اليمن، وهو ما يحد من الاستخدام الواسع والمنظم للإنترنت، ويضعف فرص الاستفادة من الخدمات الرقمية الحكومية والتجارة الرقمية والتعلم الرقمي[26].

ووفق المقارنة المعتمدة في التقرير السابق والتي تستند إلى مؤشرات الشمول الرقمي (التوافر، القدرة على تحمل التكاليف، الجاهزية، الملاءمة) يظهر التقرير أن وضع اليمن مختلف في جميع الأبعاد السابقة، ويشير إلى أن الاقتصار على تحسين بعد واحد دون إصلاحات متزامنة في الحكومة الرقمية وبناء القدرات لا يؤدي إلى تحول رقمي فعلي أو مستدام[27].

من جانبٍ آخر؛ قدمت بعض الأدبيات تحليلًا منهجيًا لواقع التحول الرقمي في اليمن منها ما أشار إليها الإرياني[28] الذي قام بمراجعة منهجية لـعدد (41) دراسة علمية بهدف الوقوف على ما أنجزته اليمن في مجال الحكومة الرقمية وما الذي لم تنجزه، وذلك في مجالات أربعة هي: نماذج وأطر الحكومة الرقمية، والتنفيذ والبنية التحتية وتقنيات ICT، والجاهزية والوعي البيئي والمشاركة، والخدمات الإلكترونية والتحديات والأمن والشفافية، وقد خلصت الدراسة إلى أن التحول الرقمي في اليمن ما يزال في مرحلة بدائية جدًا، وأن اليمن لايزال في المرحلة الأولى (مرحلة النشر/الفهرسة) ولم ينتقل فعليًا إلى مرحلة المعاملات أو التكامل الرقمي، وأن التحول الرقمي في اليمن موجود على مستوى الخطاب والبحوث العلمية؛ لكنه شبه غائب على مستوى التطبيق المؤسسي والخدمات الفعلية.

وأكد الأغبري وآخرون[29] على هشاشة بنيوية للتحول الرقمي في اليمن، ويظهر أن المشكلة لم تكن ظرفية أو تقنية مؤقتة؛ بل هي مركبة متجذرة في بنية الدولة والمجتمع معًا، فمنذ (2003م) وحتى (2014م) ظل ترتيب اليمن في مؤشرات الجاهزية الرقمية ضمن أدنى المستويات عالميًا مع تحسن طفيف لا يعكس تحولًا حقيقيًا بل محاولات متقطعة تفتقر للاستدامة والديمومة.

بينما كشف الباحث باسويد[30] أن هناك ضعفًا شديدًا بجاهزية اليمن لاستخدام الذكاء الاصطناعي واحتلالها مراكز متأخرة في ذيل القائمة العربية العالمية وهذا نتيجة للضعف الهيكلي لمكونات المؤشر العام للذكاء الاصطناعي مثل: الركيزة الحكومية، وركيزة القطاع التكنولوجي، وركيزة البيانات، وركيزة البنية التحتية، وأشارت الدراسة إلى ضعف بيانات أبعاد الرؤية والحوكمة والأخلاق، وعدم توفر استراتيجية للذكاء الاصطناعي، وضعف أداء رأس المال البشري نتيجةً لتدني نسبة خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إضافة إلى شحة البنية التحتية الرقمية والحوسبة عالية الأداء، وضعف الاستثمار في مشاريع البنية التحتية.

ويبدو من خلال استعراض التقارير والمؤشرات والأدبيات ذات العلاقة أن التحول الرقمي في اليمن لم يتجاوز كونه خطابًا إنشائيًا ومبادرات فردية تفتقر إلى الرؤية الوطنية والتخطيط الاستراتيجي والتنفيذ المؤسسي، فعلى الرغم من الحديث المتكرر في الإعلام والصحافة عن الرقمنة والحكومة الإلكترونية؛ إلا أن الواقع يشير إلى غياب شبه كامل لبنية تحتية رقمية فعالة، وضعف التكامل – إن لم يكن انعدام – بين الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، ناهيك عن قصور الأطر التشريعية والقانونية الناظمة للمعاملات الرقمية وحماية البيانات، والأزمة في اليمن ليست أزمة تقنية بقدر ما هي أزمة حوكمة، وقد أدى الصراع المسلح في اليمن، والانقسامات السياسية إلى تعطل العديد من مشاريع التحول الرقمي، وتفريغ المؤسسات من الكفاءات وتحويل التكنولوجيا إلى أدوات استخدام شكلية لا تتجاوز النشر الإعلامي أو الحلول المؤقتة، وهي تظهر غياب الاستثمار في رأس المال البشري، وتدني الوعي الاجتماعي، وعليه فإن الحديث عن التحول الرقمي في اليمن يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وصياغة رؤية وطنية رقمية بعيدة المدى، فالرقمنة في هذا العصر تعد خيارًا استراتيجيًا للتنمية لا مشروعًا ثانويًا يمكن تأجيله أو ترفًا تقنيًا يمكن الاستغناء عنه.

ومن المرجح أن مشاريع الحكومة الإلكترونية التي تم إطلاقها سابقًا أطلقت قبل اكتمال شروطها التقنية والبشرية، وهو الأمر الذي يفسر فشلها المتكرر خاصة مشروع الحكومة الإلكترونية الذي رصدت له الحكومة عشرات الملايين ثم تعثر دون نتائج ملموسة.

ولا يمكن التعامل مع ما أشارت إليه التقارير الدولية والأدبيات بوصفها مجرد مؤشرات تقنية تعكس مستوى رقمنة الخدمات الحكومية؛ بل ينبغي قراءتها في إطار أوسع يكشف عن عمق الاختلالات البنيوية في بنية الدول الرقمية، فالتدني الحاد في كثير من المؤشرات لا تعكس فقط غياب البوابات الإلكترونية أو ضعف التطبيقات الرقمية؛ وإنما يشير إلى غياب استراتيجية للتحول الرقمي، وتآكل القدرة الإدارية على تقديم خدمات فعالة.

ويظهر أن أزمة التحول الرقمي في السياقات الهشة لا يتمثل في ضعف عرض الخدمات الحكومة الرقمية؛ بل تتجسد الصورة أوضح في تدني مستويات استخدامها ورضا المستفيدين عنها، وهو يعكس فجوة عميقة بين المواطن والجهات الحكومية، حيث لا يؤدي توفر الخدمة الرقمية بالضرورة إلى تبنيها أو الاعتماد عليها، ومن ثم فإن النضج الرقمي الحقيقي لا يتحقق إلا حين يندمج المواطن في المنظومة الرقمية ويثق فيها، وهو الأمر الذي يجعل من القبول المجتمعي والثقة الرقمية عناصر مهمة في تحليل أي تجربة للتحول الرقمي وليس عوامل ثانوية.

وعليه يمكن الاستنتاج أن التحول الرقمي في اليمن لا يزال في مرحلة ما قبل التأسيس، حيث تغيب الشروط البنيوية اللازمة للانتقال نحو مجتمع المعلومات، فضعف النفاذ إلى الإنترنت، واتساع الفجوة الرقمية يجعل من التحول الرقمي في اليمن تحديًا هيكليًا يتجاوز الحلول التقنية، ويتطلب مقاربة تنموية شاملة تربط بين السلام وبناء الدولة والسياسات الرقمية.

ويعكس واقع التحول الرقمي في اليمن مستوى متدني من النضج المؤسسي، فالانتقال نحو الحكومة الرقمية في مراحله الأولى، ويغلب عليه الطابع التجريــبي لا التكاملي، وتقتصر معظم المبادرات الرقمية القائمة على حضور إلكتروني محدود لبعض الجهات الحكومية دون أن يرتقي إلى منظومة خدمات رقمية مترابطة ومتكاملة، ويلاحظ أن التحول الرقمي في السياق اليمني لم يبنى ضمن رؤية وطنية متكاملة؛ وإنما في الغالب جاء استجابةً لمبادرات متفرقة تفتقر إلى الاستدامة المؤسساتية.

ويظهر من خلال ما تم استعراضه من تقارير أن اليمن تعاني من ضعف انتشار الإنترنت وانخفاض في الاتصال، وارتفاع تكلفته الأمر الذي يحد من قدرة المواطنين على الانخراط الفعال في الخدمات الرقمية، ولا يقتصر هذا على الجانب التقني فحسب؛ بل يمتد ليشمل هشاشة منظومات الصيانة والتحديث وغياب الاستثمار المستدام في شبكات الاتصالات، ما يجعل أي تقدم رقمي محدود الأثر وقابل للتراجع، وتعاني المؤسسات الحكومية من نقص الكفاءات المتخصصة في مجالات التحول الرقمي، وهندسة النظم وإدارة البيانات، كما أن برامج تنمية القدرات الرقمية - إن وجدت - غالبًا ما تكون محدودة النطاق أو غير مرتبطة بحاجات مؤسسية واضحة ويؤدي هذا الوضع إلى اعتماد تقنيات رقمية دون استثمار فعلي في المعرفة المؤسسية اللازمة لتشغيلها وتطويرها ما يفرغ التحول الرقمي من مضمونه الاستراتيجي.

وعمومًا؛ لم يعد التحول الرقمي خيارًا تقنيًا أو مسارًا تحديثيًا ثانويًا؛ بل أصبح أحد المحددات البنيوية لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدراتها الخدمية، وخاصة في اليمن التي تعاني نزاعات طويلة، وفي هذا السياق يكتسب التحول الرقمي بعدًا مزدوجًا، فهو من جهة أداة لتحسين الخدمات العامة، ومن جهة أخرى مدخلًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة والمجتمع على أسس من الشفافية والعدالة والنفاذ المعلوماتي، وأن غياب التحول الرقمي لا يؤدي فقط إلى تأخر التنمية؛ بل يكرس أنماطًا من الإقصاء وعدم المساواة، ويعمّق الفجوة بين الحكومة والمواطنين، والجدول (1) يوضح تشخيص واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن.

جدول (1)
تشخيص واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن

م

البعد

الوضع الحالي

الملاحظات

1

الإطار المؤسسي

غياب جهة تنسيقية واحدة

تشظي المبادرات الرقمية

2

البنية التحتية الرقمية

ضعيفة وغير مستقرة

تضررت بسبب الحرب

3

الإطار التشريعي

غير مكتملة

ضعف حماية البيانات

4

القدرات البشرية

محدودة

فجوة مهارات رقمية

5

الخدمات الرقمية

شبه غائبة

حضور رمزي فقط

المصدر: الجدول من إعداد الباحث.

4. التحديات التي تواجه التحول الرقمي الحكومي في اليمن

هناك العديد من التحديات التي تواجه التحول الرقمي الحكومي في اليمن أشارت إليها بعض التقارير والدراسات منها تقرير الأمم المتحدة لعام (2024م)[31] الذي أكد أن ضعف البنية التحتية الرقمية (الإنترنت، الإتصالات، الكهرباء، مراكز البيانات) تمثل العائق الأكبر أمام التحول الرقمي إلى جانب غياب الإطار التشريعي والتنظيمي الذي ينظم المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات والأمن السيبراني، وأشار البنك الدولي (2021م) إلى أن هناك أضرارًا جسيمة في قطاع الاتصالات بسبب الحرب، إذ تم تدمير (73%) من البنية التحتية بشكلٍ كلي، و(24%) بشكلٍ جزئي، وقدّرت الخسائر بنحو 6,42 مليار دولار، وأشارت وزارة المواصلات وتقنية المعلومات اليمنية (2019م)[32] إلى التحدي المالي الذي أدى إلى تعثر عدد من المشاريع ذات العلاقة بتطوير البنية التقنية بعضها وصل إلى مراحل متقدمة من الإنجاز.

كما أشارت بعض الأدبيات إلى جملة من التحديات التي يواجهها التحول الرقمي الحكومي منها ما ذكره الأغبري وآخرون[33] والذي وزع التحديات إلى ثلاث فئات هي:

1-4. التحديات المؤسسية

ضعف القيادة والرؤية الرقمية، ومقاومة التغيير داخل الجهاز الإداري، وغياب القوانين والتشريعات المنظمة، وضعف التنسيق والتكامل بين المؤسسات والوزارات.

2-4. التحديات التقنية

محدودية الأجهزة والبرامج والبنى التحتية الرقمية، وارتفاع تكاليف التقنيات والخدمات الإلكترونية، ونقص توفر القدرات والكفاءات البشرية المدربة.

3-4. التحديات المجتمعية

ضعف الوعي المجتمعي بالخدمات الإلكترونية، وانخفاض الثقة في المعاملات الرقمية، والأمية الرقمية المنتشرة في أوساط فئة واسعة من المجتمع، والفجوة الرقمية بين الريف والحضر، وارتفاع تكاليف الإنترنت.

كما أكد باسويد[34] على التحدي السياسي الذي يعد هو التحدي الأكبر فالحرب التي اندلعت في (2015م) تسببت في انقسام مؤسسي واقتصادي ونقدي، بينما أشار البشيري[35] إلى التحدي التشريعي وتقادم القوانين والتشريعات المنظمة لقطاع الاتصالات والتي استخدمت مثل: شركات الإنترنت والهاتف الخلوي، إذ يعد قانون الاتصالات رقم 38 لعام (1991م) وتعديلاته بالقانون رقم 33 لعام (1996م) وهو التشريع الوحيد ولم يدخل عليه أي تعديلات لاستيعاب هذا التطور، وتم الاكتفاء بإبرام اتفاقيات تراخيص منفردة مع هذه الشركات، ما يضعف الإطار القانوني للقطاع.

وكشف الإرياني[36] عن ضعف البنية التحتية الرقمية والتنظيمية، فهناك بنية تقنية محدودة (أجهزة، شبكات، مواقع إلكترونية وغيرها) لكنها غير مفعلة بشكل مؤسسي وتفتقر إلى التحديث، وضعف التكامل بين الجهات الحكومية، وغياب القيادة الرقمية والإدارة الفعالة، وتدني الجاهزية الرقمية للمجتمع والمؤسسات، وانخفاض الوعي المجتمعي بالحكومة الرقمية، وضعف الثقة في الخدمات الرقمية، وسيطرة العوامل الثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية الرقمية خصوصًا في المناطق الريفية، وأكدت الدراسة على أن الصراع والحرب عامل معطل أساسي، فقد أثرت الحرب بشكلٍ مباشر على استمرار المشاريع الرقمية واهتمام الحكومة بالرقمنة.

ويظهر من التحديات التي أشارت إليه التقارير والدراسات أن هناك تعقيدات مركبة وإشكالات لا تقتصر فقط على التقني منها أو المؤسسي؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى السياسي والاقتصادي، فالسياق السياسي في اليمن يعد أحد المحددات البنيوية الحاسمة لمسار التحول الرقمي الحكومي، إذ لا يمكن مقاربة هذا التحول بوصفه عملية تقنية مستقلة عن واقع الدولة الهش، بل باعتباره انعكاسًا مباشرًا لاختلالات الحكم والانقسام المؤسسي، فقد أسهمت الحرب الممتدة منذ عام (2015م) في تفكيك البنية الإدارية للدولة، وتعدد مراكز السلطة، وتآكل القدرة التنسيقية للمؤسسات العامة، ما أفضى إلى غياب رؤية وطنية جامعة للتحول الرقمي، وأدى إلى تعثر بناء منظومة حوكمة رقمية متكاملة، وفي هذا السياق، تحولت مبادرات الرقمنة إلى جهود جزئية مبعثرة، تفتقر إلى التكامل والاستدامة، وتعكس أزمة حوكمة عميقة أكثر مما تعكس فجوة تقنية.

كما أن السياق الاقتصادي الذي يتميز بالانكماش الحاد وتراجع الإيرادات العامة، وانهيار العملة الوطنية، أدى إلى تقويض القدرة على الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية الرقمية، وصيانة شبكات الاتصالات، وبناء مراكز البيانات، وتطوير النظم الحكومية، وحدّت هشاشة المالية العامة من إمكانية بناء قدرات مؤسسية وبشرية قادرة على إدارة التحول الرقمي، ويُضاف إلى ذلك اتساع الفجوة الرقمية، وارتفاع تكاليف النفاذ إلى الإنترنت، وتدنّي القدرة الشرائية للمواطنين، ما قلّص الطلب المجتمعي على الخدمات الرقمية، وأضعف جدواها الوظيفية.

وعليه، فإن تعثر التحول الرقمي الحكومي في اليمن لا يُفسَّر بعوامل تقنية أو إدارية معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين السياق السياسي غير المستقر والبيئة الاقتصادية المنهكة، فغياب الاستقرار لا يعطّل التحول فحسب، بل يُفرغ التحول الرقمي من مضمونه الاستراتيجي، ويحوّله إلى خطاب نظري استهلاكي، ما لم يُربط بمسار أوسع لإعادة بناء الدولة، وتعزيز الحوكمة، وتحقيق حدٍّ أدنى من التعافي الاقتصادي والثقة المؤسسية.

5. التجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي الحكومي

هناك العديد من التجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي مثل: التجربة الإستونية، والتجربة السنغافورية، والتجربة الدنماركية، وكذا تجربة الإمارات العربية المتحدة، وتجربة المملكة العربية السعودية.

1-5. تجربة إستونيا (البنية التحتية، الأمن السيبراني، الشراكة)

تُعتبر إستونيا مثالًا عالميًا رائدًا في التحول الرقمي الشامل، خاصة في قطاع الخدمات العامة الرقمية، حيث تُصنّف كأفضل دولة أداءً وفقًا لمؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي (DESI) لعام 2022م الصادر عن المفوضية الأوروبية، وقد اعتمدت إستونيا نهجًا استباقيًا للتحول الرقمي، أطلقت بموجبه العديد من المبادرات التكنولوجية الرائدة منذ منتصف التسعينيات، وقد تميزت التجربة الإستونية بالملامح الآتية[37]:

  1. الاستثمار المبكر في البنية التحتية والتعليم: بدأت إستونيا مسيرتها بإطلاق مبادرة “قفزة النمر“ لعام 1996م، والتي ركزت على تطوير تكنولوجيا المعلومات وإدخال خدمات المصارف الإلكترونية. كما عملت على تسهيل استخدام الجمهور للتكنولوجيا الرقمية وتوعيتهم بكيفية الاستخدام.
  2. نظام تبادل البيانات المتكامل: (X-Road) وهو نظام لتبادل البيانات بين مختلف المؤسسات، وقد تم إنشاؤه عام (2001م) ليكون منصة تكامل وطنية آمنة، يهدف إلى تقليل تكاليف تبادل البيانات، ومنع تسريبها بين الأنظمة غير المحمية، مما يوفر أساسًا آمنًا للخدمات الحكومية.
  3. الهوية الرقمية الشاملة والخدمات المبتكرة: قدمت إستونيا الهوية الإلكترونية والتوقيعات الرقمية في عام (2002م)، تلاها إطلاق التصويت الإلكتروني في (2004م)، مما سهل الوصول إلى العمليات الانتخابية.
  4. الريادة في الأمن السيبراني والصحة الإلكترونية: عقب الهجوم السيبراني عام (2007م)، عززت إستونيا أمنها السيبراني، وطبقت تقنية البلوك تشين عام (2008م)، كما أصبحت رائدة في إطلاق خدمات الصحة الإلكترونية عام (2008م) والوصفات الطبية الإلكترونية في (2010م).
  5. الإقامة الإلكترونية (e-Residency): في عام (2014م)، أطلقت إستونيا برنامج الإقامة الإلكترونية لجذب الشركات والمواهب الأجنبية، ما عزز دورها كمركز رقمي عالمي.
  6. ارتفاع معدلات الاستخدام الحكومي الرقمي: أدى هذا التطور الشامل إلى معدلات استخدام عالية جدًا للخدمات الرقمية، فبحلول عام (2022م)، كان أكثر من (98%) من المواطنين يحملون هوية إلكترونية، و(98%) من إقرارات ضريبة الدخل تُقدَّم إلكترونيًا، و(99%) من الأدوية تُشترى بوصفة طبية رقمية، و(100%) من التحويلات المصرفية تتم إلكترونيًا.
  7. الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص: تعاونت الحكومة مع شركات محلية متخصصة مثل: Cybernetica و Guardtime لتوفير المكونات الأساسية للحكومة الإلكترونية، وأنشأت أكاديمية لتكنولوجيا المعلومات في (2012م) لتعزيز مهارات العاملين، وقد سمح هذا التعاون للشركات الإستونية بتصدير خبراتها ومنتجاتها للخارج.

ويظهر أن التجربة الإستونية قامت على تصور مبكر للتحول الرقمي بوصفه مشروع دولة شامل، لا مجرد تحديث إداري، وارتكزت منذ بداياتها على الاستثمار المتوازي في التعليم الرقمي والبنية التحتية للمعلومات، كما اعتمدت على إنشاء منصة وطنية لتبادل البيانات كآلية مركزية لضمان التكامل الآمن بين المؤسسات الحكومية، دون اللجوء إلى مركزية تخزين البيانات، ومثّلت الهوية الرقمية الشاملة والتوقيع الإلكتروني أدوات تمكينية أساسية لتنظيم النفاذ إلى الخدمات الحكومية، وقد رافقت هذه الآليات منظومة حوكمة رقمية واضحة، وتشريعات صارمة لحماية البيانات والأمن السيبراني، مع دمج الأمن الرقمي ضمن التصميم المؤسسي منذ المراحل الأولى، وأسهمت الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص في تطوير الحلول التقنية، مع الحفاظ على الدور التنظيمي المركزي للدولة، بما يضمن الاستدامة والمرونة المؤسسية.

2-5. تجربة سنغافورة (الرؤية، الحوكمة، التدريب)

تعد سنغافورة من أوائل الدول التي تفاعلت مع التحول الرقمي بوصفه مشروع دولة شامل وليس مجرد تحديث للإدارة العامة، حيث جرى توظيف التكنولوجيا كأداة مركزية لدعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز كفاءة الحكومة، وتحقيق المنافسة العالمية، وقد بلغ هذا التوجه ذروته مع إطلاق مبادرة «الأمة الذكية» عام (2014م) التي مثلت تحولًا نوعيًا في الإدارة العامة يقوم على دمج التقنية في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وقد قامت التجربة السنغافورية على الركائز الأساسية الآتية[38]:

  1. الرؤية الوطنية طويلة المدى
    قامت هذه التجربة على رؤية استراتيجية واضحة تعتبر التحول الرقمي شرطًا أساسيًا لبقاء الدولة في بيئة عالمية تنافسية، وقد تم دمج هذه الرؤية في السياسات الوطنية وربطها بالتنمية الاقتصادية والابتكار وبناء رأس المال البشري، الأمر الذي منح التحول الرقمي طابعًا مؤسسيًا مستدامًا.
  2. الحوكمة الرقمية القوية
    تميزت سنغافورة بنموذج حوكمة رقمية صارم وفعال، وقد أنشأت هيئات مخصصة لتنسيق التحول الرقمي، وتوحيد المعايير وضمان تكامل المؤسسات والجهات الحكومية، الأمر الذي حد من الازدواجية وسرعة تقديم الخدمات الرقمية.
  3. الاستثمار المكثف في رأس المال
    أولت سنغافورة اهتمامًا بالغًا بتأهيل العنصر البشري إدراكًا منها أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول الرقمي، فتم ادماج المهارات الرقمية في النظام التعليمي وإطلاق برامج تدريب مستمرة للموظفين الحكوميين وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال الرقمية.
  4. البنية التحتية الرقمية المتقدمة
    اعتمدت سنغافورة على بنية تحتية رقمية عالية الكفاءة تشمل شبكات اتصال فائقة السرعة، وأنظمة بيانات وطنية ومنصات رقمية موحدة، ما مكّن الحكومة من تقديم خدمات رقمية متكاملة، وتوظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في صنع القرار.

وقد تم تطبيق التحول الرقمي في عدد من المجالات منها[39]:

  1. الحكومة الرقمية والخدمات العامة
    حققت سنغافورة تقدمًا كبيرًا في رقمنة الخدمات الحكومية، حيث أعيد تصميم العمليات الإدارية لتكون رقمية منذ البداية وليس مجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى إلكترونية، وأسهم ذلك في تحسين جودة الخدمات وتقليل الزمن والكلفة وتعزيز رضا المواطنين.
  2. إدارة البيانات والذكاء الاصطناعي
    تعد إدارة البيانات من أبرز ملامح التجربة السنغافورية، إذ أنشأت الدولة منصات وطنية لتجميع البيانات وتحليلها، واستخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التخطيط الحضري والصحة والنقل والأمن.
  3. المدن الذكية
    اعتمدت سنغافورة نموذج المدن الذكية القائم على إنترنت الأشياء، وأجهزة الاستشعار، وتحليل البيانات في الوقت الحقيقي خصوصًا في إدارة المرور والطاقة والمياه، وقد أسهم ذلك في رفع كفاءة استخدام الموارد وتحسين جودة الحياة الحضرية.
  4. التحول الرقمي في التعليم
    ركزت سنغافورة على بناء نظام تعليمي رقمي مرن يدمج التكنولوجيا في المناهج وطرق التدريس مع التركيز على مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات والابتكار بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الرقمي.
  5. الصحة الرقمية
    شهد القطاع الصحي تحولًا رقميًا ملحوظًا من خلال السجلات الصحية الإلكترونية، والتطبيب عن بعد، وتحليل البيانات الصحية، الأمر الذي حسّن من كفاءة الخدمات الصحية وعزز الوقاية الصحية.

وعمومًا؛ فقد استندت التجربة السنغافورية إلى رؤية وطنية طويلة الأمد جعلت التحول الرقمي ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والتنافسية العالمية، واعتمدت الحكومة نموذج حوكمة رقمية مركزية لتنسيق السياسات، وتوحيد المعايير، وضمان التكامل بين الجهات الحكومية، كما ركزت على إعادة هندسة العمليات الإدارية قبل رقمنتها، بما يضمن تحولًا بنيويًا لا شكليًا، واحتل الاستثمار في رأس المال البشري موقعًا محوريًا من خلال إدماج المهارات الرقمية في النظام التعليمي، وبرامج التدريب المستمر للموظفين العموميين. وشكّلت منصات البيانات الوطنية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وآليات رئيسة لتعزيز نموذج الحكومة القائمة على البيانات.

3-5. التجربة الدنماركية (التكامل، الابتكار، الهوية الرقمية)

تُعد الدنمارك رائدة عالميًا في مجال الحكومة الإلكترونية، وهي مدعومة باستراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى تحويل خدمات القطاع العام إلى خدمات رقمية، وقد أدى هذا التوجه إلى تصدرها مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية (EGDI) في الأعوام (2018م) و(2020م) و(2022م)، كما تتميز الدنمارك بأعلى نسبة استخدام للخدمات الحكومية الرقمية بين مواطني الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت الدنماركيين الذين يستخدمون الخدمات العامة الرقمية (93%) في عام (2021م)، وتتميز التجربة الدنماركية بالركائز الأساسية الآتية[40]:

  1. التحول الرقمي المنهجي والمستدام: حددت الحكومة أهدافًا رقمية دقيقة وسعت لتحقيقها خلال عقدين من الزمن، مرتكزة على دعم الابتكار الرقمي، وسن القوانين التي تشجع استخدام هذه الخدمات.
  2. البنية التحتية المتكاملة: أنشأت الحكومة بوابة الخدمات العامة المتكاملة borger.dk، وهي متاحة على مدار الساعة طوال الأسبوع، وتُعد منصة موحدة لتفاعل المواطنين مع الحكومة، هذه المنصة مصممة لتلبية المتطلبات الأربعة الأساسية للمستخدم: الوظيفية، الموثوقية، سهولة الاستخدام، والمتعة.
  3. التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص: تعد هذه الركيزة عنصرًا حاسمًا في التحول الرقمي يتجسد في نظام الهوية الرقمية الموحد NemID، ولم يقتصر استخدام هذا النظام على المعاملات الحكومية فحسب، بل أصبح متاحًا لجميع البنوك والشركات التجارية.
  4. توفير البيانات الأساسية لدعم الابتكار: توفر الحكومة عبر نظام NemID مجموعة من البيانات الأساسية للقطاع العام، تشمل معلومات عقارية وديموغرافية، وهي متاحة للجمهور والقطاع الخاص بهدف دعم الشركات القائمة على البيانات وتشجيع الصناعات الجديدة.
  5. رقمنة المعاملات التجارية والإدارية: حرصت الحكومة على أن يكون نظام الفوترة الإلكترونية NemHandel قابلًا للاستخدام في فوترة الشركات فيما بينها (B2B) مما أسهم في تحقيق وفورات كبيرة في التكاليف الإدارية، وقد أدى هذا التطور المُنظم إلى تقديم حلول بنيوية تعود بالنفع على المواطنين والشركات، وتُعزز من الشفافية والمساءلة في القطاع العام.

وعمومًا؛ تميّزت التجربة الدنماركية بمنهج تراكمي ومنظم للتحول الرقمي، مدعوم بإطار تشريعي ملزم يُشجّع الاستخدام الرقمي للخدمات الحكومية، واعتمدت الحكومة على بوابة وطنية موحدة كنقطة اتصال مركزية بين المواطن والحكومة، ما عزز سهولة الاستخدام وتكامل الخدمات. كما مثّل نظام الهوية الرقمية الموحدة آلية حاسمة لتأمين التعاملات الرقمية عبر القطاعين العام والخاص، واعتمدت الحكومة سياسة البيانات المفتوحة بوصفها أداة لدعم الابتكار والاقتصاد الرقمي، ويبرز في هذه التجربة أن التعاون مع القطاع الخاص جاء مكمّلًا للدور التنظيمي للدولة، لا بديلًا له.

4-5. تجربة الإمارات العربية المتحدة (النقل الذكي، المدن الذكية، الاقتصاد الرقمي)

تعتبر تجربة الإمارات من أبرز التجارب العربية في مجال التحول الرقمي، وقد استحدثت (600) خدمة يتم تقديمها في مختلف الميادين كالأمن، والوثائق الشخصية، والصحة، وتأشيرات الزيارة والسياحة، والنقل والأملاك العقارية، والأنشطة التجارية وغيرها، بالإضافة إلى المطارات التي أطلقت مبادرة السفر الذكي التي تقلل زمن إنهاء إجراءات السفر.

وتعد تجربة الإمارات في التحول الرقمي من التجارب العربية الأكثر نضجًا وتكاملًا، إذ لم تكن وليدة مبادرات طرفية أو استجابات تقنية مؤقتة؛ بل جاءت نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى انطلقت منذ بدايات الألفية الثالثة، وتحديدًا مع انطلاق مشروع الحكومة الإلكترونية عام (2001م)، ثم تطورت تدريجيًا لتشمل الحكومة الذكية، فالتحول الشامل المرتبط بالثورة الصناعية الرابعة[41].

ثم تطورت جهودها بسرعة مع تبني استراتيجية الإمارات للتعاملات الرقمية (بلوك تشين)، واستراتيجية الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي مكّنها من تحقيق قفزات نوعية من خلال الاستثمار في شبكات الجيل الخامس (5G)، واعتماد بنية تحتية متطورة تدعم الاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية ما وضعها في مصاف الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال[42].

وقد حققت الإمارات قفرات نوعية في مؤشرات الحكومة الإلكترونية من المركز (29) في (2016م) إلى المركز (21) في (2020م)، ففي مؤشر الخدمات الإلكترونية احتلت الإمارات المركز الأول عربيًا والثامن عالميًا وهذا المؤشر يتضمن خدمات المعلومات الناشئة وتوفير المعلومات على الإنترنت للجمهور، وفيما يتعلق بمؤشر جاهزية البنية التحتية للاتصالات؛ فقد انتقلت الإمارات من المرتبة (25) إلى المرتبة (7) عالميًا في (2020م)، أما مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية فقد شهد تحسن ليقفز من المرتبة (28) إلى المرتبة 21 عالميًا والأولى عربيًا[43].

وتتبؤ الإمارات مراكز متقدمة في العديد من المؤشرات العالمية، إذ حققت المركز الرابع عالميًا في استخدام شبكات الجيل الخامس، والثالث عالميًا في مؤشر البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي تنفذ مشاريع ضخمة مثل المدن الذكية، الحكومة الرقمية، والنقل الذكي ما يعزز من ريادتها في التحول الرقمي إقليميًا وعربيًا[44].

ومن أبرز مشاريع التحول الرقمي الإماراتية[45]:

  1. الحكومة الرقمية والخدمات الذكية
    أطلقت الإمارات مجموعة واسعة من المنصات الرقمية أبرزها منصة «دبي الآن» التي توفر عشرات الخدمات الحكومية عبر تطبيق واحد، إضافة إلى أنظمة الدفع الإلكتروني، والخدمات الاستباقية، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات، وقد انعكس ذلك في ارتفاع معدلات استخدام المواطنين للخدمات الرقمية، كما أسهم هذا التوجه في تقليص الإجراءات البيروقراطية، وتسريع إنجاز المعاملات، وتعزيز مبدأ الحكومة اللاورقية ورضا المتعاملين.
  2. المدن الذكية
    برزت دبي وأبوظبي كنموذجين رائدين في تطبيق مفهوم المدن الذكية من خلال ربط البنية التحتية بالطاقة الذكية والقدرات الرقمية وأنظمة النقل الذكية، وقد أسهم ذلك في تحسين جودة الحياة ورفع كفاءة الخدمات، وتقليل التكاليف التشغيلية. واعتمد هذا التحول على البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء في دعم التخطيط الحضري المستدام واتخاذ القرار.
  3. التحول الرقمي في التعليم
    اتجهت الإمارات للتعلم الذكي من خلال تزويد المدارس بالأجهزة والحواسيب، والمحتوى الإلكتروني، وربط العملية التعليمية بالابتكار والاقتصاد المعرفي، كما دعمت الدولة منصات التعليم عن بُعد، ودمج التقنيات الرقمية لتنمية مهارات التفكير والبحث لدى الطلبة.
  4. الصحة الرقمية
    شهد القطاع الصحي تحولًا رقميًا للمواطن تمثل في الربط الإلكتروني بين المؤسسات الصحية وتطبيقات تتبع الأمراض، والسجلات الصحية الرقمية، وهذا برز بوضوح في كوفيد 19 عبر تطبيقات ذكية مثل «الحصن الرقمي».
  5. الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية
    عمل التحول الرقمي على تعزيز مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج القومي الإجمالي، ودعم التجارة الإلكترونية، وجذب الاستثمارات وتحفيز الإبداع. كما وفّر بيئة تشريعية وتقنية داعمة لريادة الأعمال الرقمية والشركات الناشئة.

ومن خلال استعراض التجربة الإماراتية يتضح أن الآليات التي قامت عليها قد اعتمدت على وجود قيادة مركزية تبنّت التحول الرقمي خيارًا استراتيجيًا مبكرًا، وربطته برؤى وطنية بعيدة المدى، واعتمدت الدولة على بناء منصات حكومية ذكية موحدة، والانتقال التدريجي من الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية، كما شكّلت الاستراتيجيات الوطنية المتخصصة، مثل: الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، أطرًا توجيهية واضحة للتحول الرقمي، وأسهم الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرقمية المتقدمة - ولا سيما شبكات الاتصالات - في دعم رقمنة القطاعات الحيوية. ويـبرز في هذه التجربة التكامل الوثيق بين السياسات الرقمية والتحول الاقتصادي بوصفه عاملًا حاسمًا للاستدامة.

5-5. تجربة المملكة العربية السعودية (الاستراتيجية، الخدمات الإلكترونية، البرامج)

تبرز المملكة العربية السعودية كرائد عالمي في التحول الرقمي من خلال الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، وسلسلة الكتل وهي تركز على صناعة خططها التنموية المستقبلية وفق تلك التقنيات الرقمية، وتقوم رؤية 2030م على التحول الرقمي للحكومة، وهي تملك بنية تحتية رقمية قوية، ولذلك فقد حصلت على لقب الدولة الأكثر تقدمًا للتنافسية الرقمية من بين 20 دولة[46].

وأنشأت المملكة العربية السعودية هيئة الحكومة الرقمية (DGA) في مارس (2021م) بعد إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، ومن أجل زيادة انتشار الخدمات الرقمية وكفاءتها وتكاملها تعمل الهيئة على إعداد التشريعات الخاصة بالحكومة الرقمية في مختلف الهيئات الحكومية، وتتولى مسؤولية الإعداد والإشراف على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحكومة الرقمية، كما أصدرت الهيئة إطارًا تنظيميًا للحكومة الرقمية تشمل: الحكومة والامتثال، والمنصات الحكومية الشاملة ومركزية المستفيدين، وإدارة الخدمات الرقمية وتنمية المهارات والتكنولوجيا[47].

وقد حققت المملكة العربية السعودية العديد من الإنجازات في مجال الحكومة الرقمية من خلال تبني سلسلة من البرامج والمبادرات الرقمية منها[48]:

  1. برنامج مراس: وهذا البرنامج يستخدم في تمكين المستفيدين من الخدمات الإلكترونية وخفض وقت المعاملة، وقد تمكن هذا البرنامج من تقديم أكثر من (40) خدمة إلكترونية تشمل أكثر من (90) ألف معاملة إلكترونية وتشرف على هذا البرنامج وزارة الاتصالات.
  2. برنامج اعتماد: وهو منصة مالية يعمل على ربط المملكة بالعالم إلكترونيًا وتتعامل معه أكثر من (450) جهة حكومية.
  3. برنامج أبشر: وهو يهتم بصحة المواطنين، ويتم من خلاله تحويل المواطنين إلى المستشفيات والعيادات الذكية والتطبيب عن بعد، وقد تم ربط أكثر من (130) جهة بهذا البرنامج.
  4. تطبيق صحي: وهو يهتم أيضًا بالصحة وتشرف عليه هيئة الصحة السعودية، وقد تمكنت من تقليل عدد الزيارات الطبية بنسبة (50%) وتقليل أوقات الانتظار من شهر إلى بضعة أسابيع، بالإضافة إلى تقليل نسبة الخطأ البشري إلى (90%) في بعض الحالات الطبية.
  5. هاكثون الحج: وهذا البرنامج يعد أكبر برنامج على مستوى الشرق الأوسط، حيث يتم تحطيم الأرقام القياسية وإدراجها في موسوعة جينيس كأضخم هاكثون على مستوى العالم، والذي تمكن من جذب العقول الرائدة في مجال البرمجة والحلول التقنية المبتكرة التي تساعد على تسهيل وتيسير عملية الحج والحجاج.

وقد اتسمت التجربة السعودية في التحول الرقمي بتقديم خدمات إلكترونية عالية الجودة سهلة وآمنة الاستخدام ومتاحة للجميع على مدار الساعة، وتطوير الكفاءة والفعالية الداخلية (البنى التحتية، رأس المال البشري، إدارة التغيير، القيادة والتنظيم الهيكلي)، وتسهيل التعاون والتنسيق السلس بين الوزارات والجهات الحكومية.

وعمومًا؛ قامت التجربة السعودية في التحول الرقمي الحكومي على تصور استراتيجي ربط الرقمنة مباشرة بمشروع التحول الوطني ورؤية المملكة 2030م، ما منح التحول الرقمي بعدًا تنمويًا وهيكليًا يتجاوز التحديث الإداري، واعتمدت المملكة على بناء إطار حوكمة رقمية مركزية من خلال إنشاء هيئة الحكومة الرقمية، التي تولّت تنسيق السياسات، وتوحيد المعايير، والإشراف على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحكومة الرقمية، بما حدّ من الازدواجية المؤسسية، كما ركّزت التجربة على بناء منصات رقمية وطنية موحدة (مثل: أبشر، مراس، اعتماد) بوصفها أدوات تكامل بين الجهات الحكومية، لا مجرد بوابات خدمية، ورافقت هذه الآليات استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، ولا سيما الحوسبة السحابية وشبكات الاتصال، إلى جانب تطوير الإطار التشريعي المنظم للمعاملات الرقمية وحوكمة البيانات. ويُلاحظ أن التحول الرقمي السعودي اعتمد مقاربة تدريجية تبدأ بالخدمات ذات الكثافة الجماهيرية، مع التركيز على تجربة المستفيد، وإدارة التغيير المؤسسي، وتنمية المهارات الرقمية داخل الجهاز الحكومي.

من خلال استعراض التجارب الدولية السابقة يتضح أنه على الرغم من التباين الواضح في مسارات وآليات التحول الرقمي بين التجارب الدولية المعروضة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في اعتمادها على سياقات تتسم بدرجات عالية من الاستقرار السياسي، والتماسك المؤسسي، وتوافر الموارد المالية والبشرية، ويُبرز هذا المعطى حدود قابلية نقل هذه النماذج إلى السياق اليمني، الذي يندرج ضمن الدول الهشة، حيث لا تكمن الإشكالية في غياب الأدوات الرقمية بقدر ما تتجسد في اختلالات بنيوية في الحوكمة وبناء الدولة، وعليه؛ فإن الاستفادة من هذه التجارب لا يمكن أن تتم عبر النقل أو الاستنساخ الحرفي، بل من خلال تكييف انتقائي يراعي خصوصية السياق اليمني ويستجيب لقيوده الواقعية، والجدول (2) يقدم مقارنة لآليات التحول الرقمي في التجارب الدولية.

جدول (2)
مقارنة آليات التحول الرقمي في التجارب الدولية

م

الدولة

آلية الحوكمة

البنية التحتية

الهوية الرقمية

إدارة البيانات

1

إستونيا

X-Road

متقدمة

شاملة

مركزية تكاملية

2

سنغافورة

حوكمة مركزية

فائقة

رقمية موحدة

حكومة قائمة على البيانات

3

الدنمارك

تشريعات إلزامية

متقدمة

NemID

بيانات مفتوحة

4

الإمارات

قيادة مركزية

متقدمة جدًا

رقمية ذكية

تكامل اقتصادي

5

السعودية

هيئة حوكمة رقمية

سحابية

منصات وطنية

حوكمة بيانات

المصدر: الجدول من إعداد الباحث.

6-5. دروس مستفادة من التجارب الدولية

تُظهر التجارب الدولية الرائدة أن التحول الرقمي الحكومي عملية بنيوية معقّدة لا تتحقق بإدخال التكنولوجيا فحسب، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل الرؤية الاستراتيجية، والحوكمة الفعالة، والبنية المؤسسية، ورأس المال البشري، كما تؤكد هذه التجارب أن التكامل المؤسسي شرطًا أساسيًا لنجاح الرقمنة، وأن غياب التنسيق يؤدي إلى تشظي الجهود الرقمية وفقدان قيمتها العامة، ويبرز الاستثمار في الإنسان بوصفه عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن البنية التحتية التقنية، كذلك، تُظهر التجارب أن الأمن السيبراني وحماية البيانات يجب أن يُدمجا في التصميم المؤسسي منذ البداية، لا أن يُعالجا كقضايا لاحقة، وتؤكد هذه التجارب أن الشراكة مع القطاع الخاص تمثل أداة داعمة لتعظيم القيمة العامة، لا مبررًا لتراجع الدور التنظيمي للدولة.

ويكشف تحليل السياق اليمني أن نقل التجارب الدولية في التحول الرقمي بصورة حرفية أمر غير ممكن، نظرًا لاختلاف الشروط السياسية والمؤسسية والاقتصادية، ومع ذلك؛ تظل بعض الآليات قابلة للتكييف التدريجي، مثل: اعتماد مقاربة مرحلية تركز على رقمنة الخدمات الأساسية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وبناء هوية رقمية مبسطة، وتعزيز التكامل بين عدد محدود من المؤسسات بدل السعي إلى نموذج شامل دفعة واحدة، كما يمكن الاستفادة من نماذج الحوكمة الرقمية المرنة التي تركز على التنسيق المؤسسي بدل المركزية الصارمة، بما يتلاءم مع واقع الانقسام القائم.

في المقابل، يصعب تطبيق نماذج تتطلب مستويات عالية من الاستقرار السياسي أو استثمارات ضخمة في بنى تحتية متقدمة، مثل المدن الذكية الشاملة أو الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في صنع القرار، كما أن فرض الإلزام الرقمي، كما في التجربة الدنماركية، يبدو غير واقعي في ظل اتساع الفجوة الرقمية وضعف الثقة المؤسسية، وعليه، فإن التحول الرقمي في اليمن ينبغي أن يُفهم بوصفه مسارًا تراكميًا طويل الأمد، مرتبطًا بإعادة بناء الدولة وتعزيز الحوكمة واستعادة الاستقرار، لا كمشروع تقني معزول عن سياقه البنيوي.

6. إمكانيات التحول الرقمي الحكومي في اليمن على ضوء التجارب الدولية

بعد تحليل واقع التحول الرقمي الحكومي في اليمن وتعقيداته المختلفة، واستقراء التجارب الدولية الرائدة في التحول الرقمي نخلص في هذا المحور إلى سيناريوهات للتحول الرقمي الحكومي في اليمن، وتقديم نموج مقترح للتحول الرقمي وفق مراحل وأولويات، لكن قبل الحديث عن ذلك يجدر بنا الإشارة إلى أبرز متطلبات التحول الرقمي.

1-6. متطلبات التحول الرقمي الحكومي في اليمن

أشار تقرير التعاون الرقمي العربي إلى أن نجاح التحول الرقمي مرهون بحزمة متكاملة من المتطلبات يقف في مقدمتها توفر الإطار التنظيمي والقانوني المساعد على التحول الرقمي، وبناء القدرات البشرية، ويؤكد التقرير أن الحوكمة الرقمية بما تتضمنه من وضوح الأدوار، وحماية البيانات، وأمن المعلومات تعد شرطًا حاسمًا لاستدامة أي تحول رقمي، كما أكد التقرير على ضرورة توفير التقنيات الرقمية مثل الحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء[49].

ونبهت الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية (2024م) إلى ضرورة توفير خارطة طريق وأولويات التطوير، وتوفر الهيكل التنظيمي التكنولوجي، ووجود إطار للحوكمة يضمن مراقبة التحول الرقمي بشكلٍ صحيح[50]، بينما أشارت أدبيات أخرى[51] إلى مجموعة من المتطلبات أهمها:

1-1-6. متطلبات مؤسسية

تشمل إنشاء مراكز بيانات متطورة مثل تقنيات السحابة لتخزين البيانات، واستقطاب الاستثمارات لتطوير البنى التحتية، والتعاون مع المؤسسات الدولية ذات العلاقة، وإنشاء مراكز للتميز والابتكار التكنولوجي.

2-1-6. متطلبات تقنية

توفير أنظمة وبرمجيات متطورة وأجهزة كمبيوتر حديثة، وتوفر اتصال بالإنترنت سريع ومستقر، وأجهزة كمبيوتر محمولة ولوحية. تحديث الأجهزة والبرامج بشكل دوري، وحماية البيانات من الاختراقات والقرصنة من خلال إعداد سياسات أمنية صارمة واستخدام برامج مكافحة للفيروسات، وتحديث أنظمة الحماية بشكلٍ دوري، إضافة إلى بناء شراكات مع القطاع الخاص المحلي والدولي لتبادل الخبرات والحصول على الدعم الفني والتقني والمالي.

3-1-6. متطلبات بشرية

تدريب الموظفين على أفضل الممارسات الآمنة، وإعداد وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة حول مهارات استخدام التكنولوجيا، واستقطاب الكفاءات المتخصصة والخبراء في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي، وعقد شراكات مع شركات التكنولوجيا لبناء القدرات وتطوير الحلول، وتشجيع الأبحاث العلمية والمبادرات التكنولوجية ودعم الباحثين والمبتكرين.

2-6. سيناريوهات التحول الرقمي الحكومي في اليمن

يقدم البحث الحالي ثلاث سيناريوهات للتحول الرقمي الحكومي هي كما يأتي:

1-2-6. سيناريو الحد الأدنى

يفترض هذا السيناريو استمرار السياق السياسي والاقتصادي الهش، مع غياب تسوية شاملة، ما يجعل التحول الرقمي محكومًا بقيود شديدة؛ ويقتصر التحول في هذا السيناريو على مبادرات رقمية محدودة النطاق، تركز على رقمنة بعض الخدمات الأساسية ذات الكلفة المنخفضة، مثل: النشر المعلوماتي، والخدمات الإجرائية البسيطة، دون تحقيق تكامل مؤسسي حقيقي، ويظل التحول الرقمي هنا أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى مشروع تحديث، حيث تغيب الحوكمة الرقمية الموحدة، وتظل المبادرات مرهونة بجهود فردية أو دعم خارجي غير مستدام، وعلى الرغم من محدودية هذا السيناريو لكن يمكن أن يسهم في منع التراجع الكامل، غير أنه لا يُحدث تحولًا بنيويًا في الأداء الحكومي.

2-2-6. سيناريو التدرج

يقوم هذا السيناريو على افتراض تحسن نسبي في الاستقرار المؤسسي، يسمح بإطلاق مسار تراكمي للتحول الرقمي، ويرتكز على بناء قدرات تدريجية تبدأ بإعداد الرؤية وتوحيدها، وإنشاء هياكل تنسيقية مرنة للتحول الرقمي، ثم الانتقال إلى رقمنة الخدمات ذات الأولوية المجتمعية العالية، ويعتمد هذا السيناريو على مبدأ “التحول الممكن“ بدل “التحول المثالي“، من خلال التركيز على التكامل الجزئي بين المؤسسات، وبناء هوية رقمية مبسطة، وتحسين البنية التحتية في المدن أولًا، ويُعد هذا السيناريو الأكثر واقعية في السياق اليمني، نظرًا لقدرته على التكيف مع الهشاشة دون الارتهان لها.

3-2-6. سيناريو التحول الشامل

يفترض هذا السيناريو تحقق تسوية سياسية شاملة، واستعادة الدولة لوحدتها المؤسسية، وتحسن الأوضاع الاقتصادية، بما يتيح إطلاق مشروع وطني متكامل للتحول الرقمي الحكومي، ويقوم على إعادة هيكلة الإدارة العامة، وبناء حوكمة رقمية مركزية، وتطوير بنية تحتية رقمية وطنية، واعتماد الحكومة الرقمية بوصفها نمطًا رئيسًا لتقديم الخدمات، ورغم أن هذا السيناريو يمثل التحول الأمثل، إلا أن تحققه يظل مرهونًا بشروط سياسية واقتصادية معقدة، ما يجعله هدفًا طويل الأمد أكثر منه مسارًا راهنًا، والجدول (3) يوضح سيناريوهات التحول الرقمي الحكومي في اليمن.

جدول (3)
سيناريوهات التحول الرقمي الحكومي في اليمن

م

السيناريو

مستوى التحول

المتطلبات

المخرجات المتوقعة

1

الحد الأدنى

جزئي

استقرار محدود

خدمات أساسية

2

التدرج

تراكمي

تنسيق مؤسسي

تكامل نسبي

3

التحول الشامل

بنيوي

تسوية شاملة

دولة رقمية

المصدر: الجدول من إعداد الباحث.

3-6. النموذج المقترح للتحول الرقمي الحكومي في اليمن

يقوم النموذج المقترح للتحول الرقمي على مراحل وأولويات، إضافة إلى الجهات الداعمة لهذا التحول كما يلي:

1-3-6. مراحل التحول الرقمي الحكومي

1-1-3-6. مرحلة التأسيس

وتشمل صياغة رؤية وطنية للتحول الرقمي، وإنشاء جهة تنسيقية عليا (مجلس أو وحدة وطنية للتحول الرقمي)، وإعداد إطار تشريعي مرن للمعاملات الرقمية وحماية البيانات.

2-1-3-6. مرحلة البناء التدريجي

وتركز على رقمنة الخدمات الأساسية، وبناء منصات حكومية موحدة، وتحسين البنية التحتية الرقمية في المناطق ذات الكثافة السكانية، مع الاستثمار في تنمية القدرات البشرية.

3-1-3-6. مرحلة التكامل والتوسع

وتهدف إلى ربط الأنظمة الحكومية، وتطوير قواعد البيانات الوطنية، وتعزيز الحكومة القائمة على البيانات، وتحسين تجربة المستخدم.

2-3-6. أوليات التحول الرقمي

  1. رقمنة الخدمات الحيوية المرتبطة بحياة المواطنين.
  2. بناء هوية رقمية وطنية مبسطة.
  3. تطوير البنية التحتية للاتصالات.
  4. تنمية الكفاءات الرقمية داخل الجهاز الحكومي.
  5. تعزيز الأمن السيبراني وحوكمة البيانات.

3-3-6. الجهات الفاعلة

  1. الحكومة المركزية (التشريعات، التنسيق والتكامل، الحوكمة).
  2. الوزارات والمؤسسات والهيئات التنفيذية.
  3. القطاع الخاص كشريك تقني وتنفيذي.
  4. المنظمات الدولية كمصدر للدعم الفني والمالي.
  5. منظمات المجتمع المدني والجامعات لتعزيز الوعي وبناء المهارات.

7. التوصيات

خرج البحث بعدد من التوصيات التي تم توزيعها إلى ثلاثة محاور هي:

1-7. توصيات قصيرة المدى:

  1. إنشاء وحدة تنسيقية وطنية عليا للتحول الرقمي تشرف عليها الحكومة.
  2. التركيز على رقمنة الخدمات الأساسية منخفضة التكلفة.
  3. تحسين الوصول إلى الإنترنت في المدن والمراكز الحضرية.
  4. إعداد وتنفيذ برامج تدريب رقمية عاجلة للموظفين في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية.

2-7. توصيات متوسطة المدى:

  1. إعداد إطار تشريعي مرن للمعاملات الرقمية وحماية البيانات.
  2. بناء منصات حكومية موحدة للخدمات.
  3. تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وتوفير البنية التحتية وتدريب الموظفين.
  4. إدماج المهارات الرقمية في التعليم العالي والتقني.

3-7. توصيات طويلة المدى:

  1. بناء حوكمة رقمية متكاملة.
  2. الانتقال نحو حكومة قائمة على البيانات.
  3. ربط التحول الرقمي بإعادة هيكلة الإدارة العامة.
  4. اعتماد التحول الرقمي كرافعة لإعادة بناء الدولة والتنمية المستدامة.

8. الخاتمة

خلص البحث إلى أن التحول الرقمي الحكومي في اليمن لا يمثل إشكالية تقنية بقدر ما هو تحدٍّ بنيوي مرتبط بسياق سياسي واقتصادي هش، وبأزمة حوكمة عميقة، وأظهرت المقارنة مع التجارب الدولية الرائدة أن نجاح التحول الرقمي مرهون بتكامل الرؤية، والحوكمة، والبنية المؤسسية، ورأس المال البشري، كما بيّن البحث أن نقل التجارب الدولية يتطلب تكييفًا نقديًا يراعي الخصوصية اليمنية، وأن التحول الرقمي الواقعي في اليمن لا يمكن أن يكون قفزة شاملة، بل مسارًا تراكميًا مرتبطًا بإعادة بناء الدولة وتعزيز الثقة المؤسسية.

إخفاء المراجع

المراجع

  • الأمم المتحدة (الإسكوا)، مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة 2024م، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، 2025م.
  • سلايمي، جميلة ويونس، يوسف، التحول الرقمي بين الضرورة والمخاطر، مجلة العلوم القانونية والسياسية، مج 10، ع 2، الجزائر، 2019م، ص 944-967.
  • عبد المولى، مروة، الاحتياجات التدريبية لأعضاء هيئة التدريس بجامعة أسوان في ضوء التحول الرقمي، المجلة التربوية لكلية التربية سوهاج، ع 97، ج 2، مصر، 2022م، ص 392-449.
  • Oubrahim, I & Sefiani, N. Exploring the drives and barriers to digital transformation adoption for sustainable supply chains, a comprehensive overview, cta logistica-International scientific Journal about Logistics, 2023, 10, Žilina University in Slovakia.
  • الأمم المتحدة (الإسكوا)، مرجع سابق.
  • Maye, T & Others. Transforming Higher Education Through Technology-Enhanced Learning. The Higher Education Academy. York Science Park. Hesling ton, December, 2009.
  • شرقي، أسماء وصنيح، صادق، تقييم التجربة الجزائرية في مجال التحول الرقمي: الواقع والتحديات، مجلة دراسات في الاقتصاد وإدارة الاعمال، مج 6، ع 2، الجزائر، 2023م، ص 127-147.
  • زاهد، يوسف وحميد، شيماء، تأثير التحول الرقمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة، العراق، 2024م، ص 77-94.
  • بدوي، نسمة عبد العزيز، التحول الرقمي لتحقيق عدالة توزيع خدمات الدعم الحكومي في المجتمع المحلي، مجلة أبحاث العلوم الاجتماعية، مج 20، ع 7، جامعة أكادير، المغرب، 2025م.
  • Skad, A. Digital Transformation in Public Organizations: An Applied Study on the Ministry of Health in the Kingdom of Saudi Arabia, Journal of Economic, Administrative and Legal Sciences, 2024, 8(5).
  • Abolehey, A. The impact of digital transformation on the overall performance of The Ministry of Finance – Gaza, Journal of Economic, Administrative and Legal Sciences, 2024, 8(5).
  • تباني، شيماء وصخري، إلهام وعقون، شيماء، إستراتيجيات التّحول الرقمي في المؤسسات الخدماتية، رسالة ماجستير، جامعة قاملة، قسم إدارة المؤسسات والمكتبات، الجزائر، 2022م.
  • Alnuaini, B. & Sanjay, K. Mastering digital transformation: The nexus between leadership, agility, and digital strategy, Online Source, 2022, Vol.145.
  • فاري، لبنى سحر، دراسة تحليلية لمحددات نجاح التحول الرقمي في الشركات، المجلة الجزائرية للاقتصاد والمالية، مج 8، ع 15، الجزائر، 2021م.
  • فاقي، ندوة وعيشاوي، يمينة، التحول الرقمي للمنظمات في تقليص الفجوة الاستراتيجية: دراسة حالة إتصالات الجزائر أدرار، رسالة ماجستير، جامعة أحمد دراية، قسم إدارة الاعمال، الجزائر، 2021م.
  • جار، زهراء ومثنى، سعد، مدى مساهمة التحديات الاستراتيجية للتحول الرقمي في صعوبة رقمنة الخدمات المالية وسبل مواجهتها استراتيجيًا: دراسة تحليلية لآراء عينة من موظفي القطاع المصرفي العام في نينوى، مجلة تكريت للعلوم الاقتصادية والإدارية، مج 17، ع 56، العراق، 2021م.
  • بدير، المتولي إسماعيل، متطلبات رقمنة الجامعات المصرية في ضوء بعض الخبرات العالمية، مجلة تطوير الأداء الجامعي، مج 12، ع 1، مصر، 2020م.
  • Pelletier, C., Raymond, L. Orchestrating the digital transformation process through a ‘strategy-as-practice’ lens: A revelatory case study, Hawaii International Conference on System Sciences, 2020. China.
  • Korachi, Z. & Bounabat, B. General Approach for Formulating a Digital Transformation Strategy, Journal of Computer Science. 2020.
  • United Nations. E-Government Survey 2024 – Accelerating Digital Transformation for Sustainable Development with the addendum on Artificial Intelligence. 2024.
  • الأمم المتحدة (الإسكوا)، مرجع سابق.
  • الأمم المتحدة. مسح الحكومة الإلكترونية، دائرة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، نيويورك، 2024م.
  • المرجع نفسه.
  • الأمم المتحدة، تقرير التنمية الرقمية العربية 2.0 - نحو التمكين وشمول الجميع، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، 2023م.
  • المرجع نفسه.
  • المرجع نفسه.
  • المرجع نفسه.
  • Aleryani, A. Yemen E-government Research Landscape; An-Indepth Study on the Trends of Published Research, International Journal of Science Pic and Research Publications, 2020,10(10), P 412-428.
  • Al-Aqhbari, A & Others. The Readiness and Limitations of E-Government in Yemen, Journal Technology Sciences and Engineering, 2015, 73 (1), 70-115. Malaysia.
  • باسويد، سالم، مدى جاهزية اليمن للذكاء الاصطناعي والآثار الاقتصادية المتوقعة، مجلة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، مج 12، ع 119، جامعة الأندلس، اليمن، 2025م، ص 220-242.
  • United Nations. E-Government Survey 2024 – Accelerating Digital Transformation for Sustainable Development with the addendum on Artificial Intelligence. 2024.
  • وزارة المواصلات وتقنية المعلومات، خلاصة التقرير العام لإنجازات ومؤشرات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، اليمن، 2019م.
  • Al-Aqhbari, A & Others. The Readiness and Limitations of E-Government in Yemen, Journal Technology Sciences and Engineering, 2015, 73(1), 70-115. Malaysia.
  • باسويد، ص 242.
  • البشيري، منصور، آثار الصراع على قطاع الاتصالات في اليمن، البنك الدولي، 2021م.
  • Aleryani, A. Yemen E-government Research Landscape; An-Indepth Study on the Trends of Published Research, International Journal of Science Pic and Research Publications, 2020, 10(10), 412-428. California, USA.
  • Kalvet, T. Enovation; A Factor Explaining E-Government Success in Estonia, Electronic Government, Springer. 2012.
  • مرجانه، نظال وطلحي، سماح، نموذج التحول الرقمي في سنغافورة، إنجازات ودورس مستفادة، مجلة البحوث الاقتصادية المالية، مج 11، ع 2، جامعة أم البواقي، الجزائر، 2024م، ص 300-326.
  • المرجع نفسه، ص 326.
  • Aanish Agency for Digitization. Digital Strategy 2016-2020; A stronger and mor Secure digital Denmark. 2020.
  • محمود، سناء، التحول الرقمي في دولة الإمارات: البنية المتطورة والرؤى الهادفة «نماذج التطبيق والاستفادة عراقيًا»، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، العراق، 2024م.
  • المرجع نفسه.
  • هشام، بن عزة وتومي، حمزة، تجارب دولية في تطبيق التكنولوجيا الناشئة والاقتصاد الرقمي (الإمارات، الصين، قطر) ومدى استفادة الجزائر منها، مجلة المحاسبة والتدقيق المالي، مج 5، ع 1، جامعة جيلاني، الجزائر، 2023م.
  • محمود، مرجع سابق.
  • المرجع نفسه.
  • الحربي، تهاني والرابغي، ريم، دور الحكومة الرقمية ودعمها للجهات الحكومية في تبني التقنيات الناشئة لتفعيل التحول الرقمي: دراسة حالة هيئة الحكومة الرقمية السعودية، مجلة الدراسات المعرفية والتكنولوجية، ع1، جامعة حلوان، مصر، 2025م، ص 1-14.
  • الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، التحول الرقمي الحكومي في الشرق الأوسط: تسريع وتيرة التنفيذ واستدامة التأثير، مجلة صدى الموارد البشرية، ع 19، الإمارات العربية المتحدة، 2024م.
  • محمد، عبد الرحمن والغبيري، محمد، واقع التحول الرقمي للمملكة العربية السعودية: دراسة تحليلية، مجلة العلوم الإدارية والمالية، مج 4، ع 3، جامعة الوادي، الجزائر، 2020م، ص 8-31.
  • الأمم المتحدة، تقرير التنمية الرقمية العربية، مرجع سابق.
  • الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، مرجع سابق.
  • العبيدي، منصور والسودي، مبروك، حوكمة تكنولوجيا المعلومات ودورها في تعزيز استجابة الجامعات اليمنية للتحولات الرقمية والمعاصرة، مجلة التمكين الاجتماعي، مج 6، ع 2، جامعة عمار تايجي، الأغواط – الجزائر، 2024م، ص 45-76.

إخفاء المراجع

المراجع