الرئيسية | دراسات أُسس | المنظمات الدولية ودورها التنموي

المنظمات الدولية ودورها التنموي

دراسة تحليلية على الحالة اليمنية

23 ديسمبر 2025
أ.د. عبد الملك محمد عيسى

ملخص

يتناول البحث دور المنظمات الدولية في اليمن بين عامي 2015 و2025م من منظورٍ سوسيولوجيٍّ نقدي، موضحًا تحوّلها إلى بديل شبه كامل عن الدولة في تقديم الخدمات والتنمية، ويؤكد أن هذه التدخلات، على رغم طابعها الإغاثي، تُعمّق التبعية وتُضعف السيادة الوطنية. اعتمد البحث على منهج تحليلي مقارن بدراسة برامج منظمات مثل: UNDP وWFP وGIZ، مع مقارنة تجارب دولٍ أخرى، واستنادًا إلى رؤية قرآنية تُعدُّ التنمية وظيفة استخلافية. خلصت النتائج إلى أن التنمية الفاعلة تتطلب قيادة وطنية مستقلة ترتكز على قيم الكرامة والتمكين، وأوصت الدراسة بتبنّي نموذج تنموي يمني مستقل يعيد الاعتبار للفاعل المحلي ويُوطّن الجهود الدولية في إطار يحترم الخصوصية الثقافية.

كلمات مفتاحية: المنظمات الدولية، التنمية، اليمن، السيادة الوطنية، التبعية البنيوية.

Abstract

The study examines the role of international organizations in Yemen between 2015 and 2025 from a critical sociological perspective, highlighting their transformation into an almost complete substitute for the state in providing services and development. It argues that these interventions, despite their humanitarian nature, deepen dependency and weaken national sovereignty. The research adopts a comparative analytical approach by reviewing the programs of organizations such as UNDP, WFP, and GIZ, while comparing them with experiences from other countries, and drawing on a Qur’anic perspective that considers development a stewardship responsibility. The findings conclude that effective development requires independent national leadership grounded in the values of dignity and empowerment, and the study recommends adopting an independent Yemeni development model that restores the role of local actors and aligns international efforts within a framework that respects cultural specificity.

Keywords: International organizations, Development, Yemen, National sovereignty, Structural dependency.

مقدمة

شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولاتٍ جوهرية في بُنيته ووظائفه، انعكست بشكلٍ مباشر على أدوار الفواعل غير الحكومية، لا سيما المنظمات الدولية التي لم تُعدّ محصورة في الأبعاد الإغاثية أو الحقوقية، بل أصبحت تضطلع بدور مركزي في هندسة السياسات التنموية وتوجيه أولويات الدول النامية والهشّة[1]. هذه النقلة تشير إلى اتساع مفهوم الفاعلية الدولية، لا ليشمل أدوات التمويل والمساعدة، بل أيضًا أدوات التوجيه المؤسسي والفكري، ما يجعل المنظمات الدولية طرفًا أصيلًا في معادلة التنمية؛ إذ تُعدّ المنظمات الدولية إحدى أهم الفواعل غير الحكومية في النظام الدولي الحديث، وقد شهدت أدوارها تحوّلًا ملحوظًا منذ منتصف القرن العشرين؛ إذ لم تُعدّ مقتصرة على إدارة النزاعات أو تقديم المساعدات الإنسانية، بل اتسع نطاق مهامها ليشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لاسيما في الدول التي تعاني من صراعات أو هشاشة والسياسية[2].

أدّى العدوان منذ عام 2015م ضد اليمن إلى تراجع حاد في القدرات المؤسسية للدولة، وتوسّع لافت في رقعة الأزمات الإنسانية، ما أتاح مجالًا واسعًا لتدخل المنظمات الدولية[3] بوصفها بديلًا (أو شريكًا) للدولة في تقديم الخدمات الأساسية وإدارة مشاريع التنمية، وأصبح عملها يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للنشاط الإغاثي والتنموي[4]، غير أن هذا الحضور الكثيف أثار تساؤلاتٍ جادّة حول فاعلية هذه المنظمات، وحدود تدخلها، ومآلاته على الاستقلال التنموي والسيادة الوطنية[5].

فقد برزت المنظمات الدولية عنصرًا فاعلًا في تقديم الدعم التنموي والإنساني منذ عقود في اليمن، إلا أن دورها تضاعف بعد اندلاع العدوان في عام 2015م؛ إذ تحوّل إلى أحد أعمدة النشاط التنموي والإغاثي في ظل تراجع قدرات الدولة ومؤسساتها.

لكن على الرغم من هذا الحضور الكثيف، يظل دور المنظمات الدولية في التنمية محل نقاشٍ وجدل، خصوصًا من ناحية مدى فاعليتها ومواءمتها للأولويات الوطنية، وتأثيراته الجانبية في السيادة والاستقلال التنموي. من هنا تبع أهمية هذا البحث الذي يسعى إلى تحليل الدور التنموي للمنظمات الدولية في اليمن ضمن إطارٍ سوسيولوجيٍّ نقدي، يستند إلى مقاربات نظرية معاصرة، ويؤصّل مفاهيم التنمية من منظورٍ قرآنيٍّ حضاريٍّ يعيد ربط الإنسان بمسؤوليته في الاستخلاف والإعمار كما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:61)، مما يجعل التنمية مسؤولية حضارية، لا مجرد استهلاكٍ محلّي أو مساعداتٍ مشروطة. يسعى هذا البحث، من هذا المنطلق، إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية للدور التنموي الذي تؤديه المنظمات الدولية، مع التركيز على الحالة اليمنية، واستعراض تجارب دولية مقارنة يمكن أن تشكّل أرضية لتقديم توصياتٍ واقعية تعزّز فاعلية العمل التنموي وتوطينه في السياقات المحلية.

1. الإطار العام للدراسة

1-1. إشكالية الدراسة

تتمحور الإشكالية الرئيسة لهذه الدراسة حول تساؤل محوري

إلى أي مدى تُسهم المنظمات الدولية في تحقيق تنمية مستدامة ومستقلة في اليمن؟ وهل يعكس تدخلها استجابة حقيقية للاحتياجات المجتمعية، أم يُعيد إنتاج التبعية البنيوية والتدخل الخارجي؟

تنبثق من هذه الإشكالية مقاربات معرفية تسعى لفهم العلاقة المعقدة بين المساعدات الدولية والسيادة الوطنية وحق المجتمعات في تقرير أولوياتها التنموية.

وذلك عن طريق تحليل المساعدات مقابل مؤشرات التنمية المستدامة في السياق اليمني، كما هو موضح في تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي[6].

وتنبثق منها التساؤلات الفرعية للإجابة عنها، وهي:

  1. كيف تطور الدور التنموي للمنظمات الدولية على المستوى العالمي؟
  2. ما طبيعة تدخلات هذه المنظمات في اليمن منذ 2015م؟
  3. ما مدى اتساق هذه التدخلات مع الحاجات والأولويات المجتمعية؟
  4. ما أبرز التحديات التي تعيق تفعيل شراكة تنموية حقيقية في اليمن؟
  5. ما الدروس المستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في الاستفادة من الدور الدولي لصالح تنمية مستقلة؟
  6. ما السياسات المقترحة لتعزيز التكامل بين الجهود الأممية والتنمية الوطنية المستدامة في اليمن؟

2-1. أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى:

  1. تحليل تطور دور المنظمات الدولية في التنمية وفق المسارات العالمية.
  2. توصيف التدخلات التنموية الدولية في اليمن خلال النزاع.
  3. تقييم فعالية وجدوى هذه التدخلات من منظور نقدي محلي.
  4. دراسة تحديات التنسيق المؤسسي بين الدولة والمنظمات.
  5. استعراض تجارب دولية ناجحة (كرواندا، بنغلاديش، كولومبيا) للاستفادة منها.
  6. اقتراح بدائل تنموية قائمة على مرجعية قرآنية وسياق وطني.

3-1. أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من أنها تعالج ظاهرة حرجة في بلد يشهد صراعًا مزمنًا، ما يمنحها أهمية تطبيقية، وتقدم إسهامات نظرية في أدبيات التنمية من منظور عربي - إسلامي، وتطرح مقاربة نقدية تُعيد تقييم العلاقة بين الداخل (الوطني) والخارج (الدولي) في مجال التنمية، مستندة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنْفُسِهِمْْ﴾ (الرعد: 11)، في دلالة على مركزية الفعل الداخلي كمفتاح لأي تحول تنموي حقيقي.

4-1. منهجية الدراسة

تتبنّى الدراسة منهجين متكاملين:

  • المنهج الوصفي التحليلي: لتحليل الواقع اليمني الراهن وتوصيف تدخلات المنظمات الدولية فيه.
  • المنهج المقارن: باستعراض تجارب دولية مشابهة من حيث مستوى الهشاشة أو التاريخ الاستعماري أو الطابع الصراعي مثل رواندا وكولومبيا وبنغلاديش.

5-1. أدوات جمع البيانات

ستستخدم الدراسة بعض أدوات جمع البيانات مثل تحليل الوثائق والتقارير الصادرة عن منظمات دولية مثل: UNDP و WHO والبنك الدولي...إلخ ومراجعة الأدبيات العلمية المنشورة عربيًا ودوليًا، وتحليل بيانات ميدانية ومشاريع فعلية نفذتها المنظمات خلال المدة 2015 - 2025م.

6-1. مجتمع الدراسة

يشمل مجتمع البحث:

منظمات دولية نشطة في اليمن مثل: UNDP و WFP و GIZ.

7-1. حدود الدراسة

  • زمانيًا: تكون التركيز على المدة من 2015 إلى 2025م .
  • مكانيًا: الجمهورية اليمنية - المناطق الحرة تحت سيطرة المجلس السياسي الأعلى.
  • موضوعيًا: يقتصر على الأبعاد التنموية لتدخل المنظمات دون الدخول في القضايا السياسية أو العسكرية.

8-1. تعريف المفاهيم الأساسية إجرائيًا

المنظمات الدولية: كيانات عابرة للحدود، حكومية أو غير حكومية، تهدف إلى تقديم خدمات أو تدخلات في مجالات متعددة مثل التنمية والصحة والتعليم وحقوق الإنسان.

التنمية: عملية متكاملة تعزز قدرات الإنسان وتحسن من نوعية حياته، انسجامًا مع مفهوم الاستخلاف القرآني الذي يربط الإنسان بالعمران والتمكين.

التنمية المستدامة: نموذج تنموي يوازن بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ويضمن حق الأجيال القادمة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (الأعراف: 56).

التبعية التنموية: نمط من العلاقة حيث تفقد الدولة استقلال قرارها التنموي لصالح جهات مانحة خارجية.

الشراكة التنموية: علاقة تنموية قائمة على التكامل والاحترام المتبادل، تراعي السياقات المحلية وتستند إلى توافق استراتيجي، لا إلى فرض خارجي.

Nexus: يستخدم هذا المفهوم في التنمية، ويُقصد به المقاربة التفاعلية التي تربط القطاعات المختلفة (المياه، الغذاء، الطاقة، الأمن، السلام، المناخ...) ضمن شبكة متكاملة لتصميم سياسات أكثر ترابطًا واستدامة. طرحته الأمم المتحدة لتجاوز الفصل التقليدي بين المساعدات الإنسانية (الطارئة) والتنمية (طويلة الأمد) وبناء السلام، بحيث يجري إدماج هذه الأبعاد الثلاثة في استراتيجيات موحَّدة.

9-1. تقسيم الدراسة

تنقسم الدراسة على النحو الآتي:

  • المقدمة، ثم المبحث الأول: الإطار العام للدراسة.
  • المبحث الثاني: الإطار النظري والمفاهيمي والدراسات السابقة.
  • المبحث الثالث: لمحة تاريخية عن تطور المنظمات الدولية ودورها التنموي.
  • المبحث الرابع: المنظور القرآني والتنمية المستقلة.
  • المبحث الخامس: تحليل دور المنظمات في اليمن.
  • المبحث السادس: نماذج دول ما بعد النزاع.
  • النتائج والتوصيات والنموذج المعرفي.

2. الإطار النظري والمفاهيمي والدراسات السابقة

1-2. تعريف المنظمات الدولية ومكانتها في القانون الدولي

المنظمات الدولية هي كيانات قانونية تتأسس بموجب اتفاقات دولية متعددة الأطراف، وتتمتع بالشخصية القانونية الدولية، وتُمارس أنشطتها وفق قواعد القانون الدولي العام[7]، وتعرفها لجنة القانون الدولي للأمم المتحدة أنها: كل مؤسسة تنشأ باتفاق دولي، وتتمتع بهيكل تنظيمي دائم، واستقلال وظيفي، وشخصية قانونية دولية.

أو هي: كيانات مؤسسية دائمة تُنشَأ بموجب اتفاق بين دولتين أو أكثر، وتتمتع بالشخصية القانونية الدولية، ويكون لها أهداف وأجهزة وهيكل تنظيمي يمكّنها من أداء وظائفها.

أما في السياسات الدولية، فغالبًا ما تُصنَّف المنظمات الدولية ضمن أدوات الحوكمة العالمية (Global Governance) المستخدمة لتنسيق العلاقات بين الدول، خصوصًا في مجالات التنمية والبيئة وحقوق الإنسان والصحة[8].

2-2. تصنيفات المنظمات الدولية

يمكن تصنيف المنظمات الدولية بعدة طرق، منها:

وفقًا للعضوية: هناك منظمات دولية حكومية (IGOs) كالأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومنها منظمات دولية غير حكومية (INGOs) مثل أطباء بلا حدود ومنظمة الشفافية الدولية وغيرها.

وفقًا لنطاق العمل: هناك منظمات عالمية كالأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية، وهناك منظمات إقليمية كالاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، وهناك منظمات محلية ذات بُعد دولي كالمنظمات التي تنشط محليًا لكنها تتلقى دعمًا وتمويلًا دوليًا.

وفقًا للوظيفة الأساسية: هناك منظمات إنمائية، ومنظمات إغاثية، ومنظمات مراقبة وحقوقية، ومنظمات بحثية وفكرية[9].

3-2. مفاهيم التنمية

التنمية: تُعرَّف أنها عملية كمية وكيفية شاملة تهدف إلى إحداث تغييرات حضارية في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عن طريق تهيئة المجتمع وتحفيز موارده البشرية والطبيعية نحو تحقيق رفاهية الإنسان، وذلك ضمن إطار استراتيجي متكامل ومستدام يمكّن الأفراد والمجتمعات من تحسين نوعية حياتهم ومشاركتهم الفاعلة في صياغة مستقبلهم [10].

ومن المنظور القرآني، فإن التنمية ترتبط بمبدأ الاستخلاف في الأرض كما في قوله تعالى: ﴿وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، أي أن الإنسان مكلّف بإعمار الأرض وفق قيم العدالة والكرامة.

وفي إطار هذا البحث، سيجري التركيز على أن التنمية البشرية تأتي في سياق التعليم والصحة والقدرات، وترتكز على توسيع خيارات الإنسان وزيادة قدرته على التعليم والصحة والمشاركة السياسية، وفقًا لمؤشر التنمية البشرية، والتنمية الاقتصادية ضمن البنية التحتية ودعم المشاريع الصغيرة والتمكين المالي تؤدي إلى نمو الناتج القومي الحقيقي، مما يؤدي إلى تحسّن مستوى معيشة الأفراد وتوزيع أكثر عدالة للثروة. والتنمية المستدامة ضمن سياق الاستجابة للأزمات مع حماية الموارد للأجيال القادمة بقصد تحقيق تنمية متوازنة بين حاجات الحاضر دون الإضرار بمصالح الأجيال القادمة، وتُراعي البيئة والموارد، استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56).

التنمية الدولية: يُقصد بها السياسات والمبادرات التي تنفذها كيانات دولية لدعم بلدان الجنوب أو البلدان الهشّة بهدف تحسين مؤشرات التنمية، وغالبًا ما تُدار من قبل منظمات دولية سواء بشكل مباشر أم عبر الشراكة مع الحكومات أم المنظمات المحلية.

4-2. العلاقة بين المنظمات الدولية والتنمية

في ضوء الإطار النظري، تتجلّى العلاقة بين المنظمات الدولية والتنمية علاقة مركّبة ومتعددة المستويات تتداخل فيها الأبعاد الفنية بالسياسية، والمساعدات الطارئة بالتنمية طويلة الأجل، ويكمن التحدي في مدى قدرة هذه المنظمات على تنفيذ برامج تنموية تراعي السيادة الوطنية والخصوصيات الاجتماعية والثقافية لكل بلد.

5-2. العلاقة بين المنظمات الدولية والتنمية من منظور نظري

  1. نظرية التبعية (Dependency Theory):
    تُشير هذه النظرية إلى أن العلاقة بين الدول النامية والمنظمات الدولية غالبًا ما تكون غير متكافئة؛ إذ تُعيد هذه المنظمات إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية عن طريق المساعدات المشروطة ما يُعيق تحقيق التنمية الذاتية المستقلة، وترى أن المنظمات الدولية تُعيد إنتاج البنية الاستعمارية بطريقة ناعمة عن طريق التحكم في تدفق المساعدات وشروط القروض، مما يكرّس التبعية[11].
  2. النظرية الواقعية الجديدة (Neorealism):
    من منظور الواقعية، يُنظر إلى المنظمات الدولية أدوات في يد الدول الكبرى تُستخدم لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، مما يجعل الدور التنموي للمنظمات خاضعًا لمصالح الدول المهيمنة. تفترض أن الدول الكبرى توظف المنظمات الدولية لتحقيق مصالحها، وأن هذه الأخيرة تفتقر للاستقلال الحقيقي[12].
  3. نظرية البنائية (Constructivism):
    تركز على أهمية الأفكار والهويات والمعايير الدولية التي تروج لها المنظمات، وترى أن التنمية ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، بل منظومة قيم ومفاهيم تسهم في إعادة تشكيل وعي المجتمعات والمؤسسات، وتبرز كيف تقوم المنظمات الدولية بإنتاج خطابات ومعايير تؤثر في تعريف التنمية في الدول النامية وتصوّغ أولوياتها[13].
  4. نظرية الشراكة (Partnership Theory):
    ترى أن نجاح العمل التنموي يعتمد على وجود شراكة حقيقية بين المنظمات الدولية والدول المستفيدة، بحيث تُصمَّم البرامج وفقًا لأولويات محلية مع بناء قدرات المجتمعات والدولة على المدى الطويل، وتؤمّن بإمكانية بناء علاقة تكاملية بين المنظمات الدولية والدول المستفيدة شريطة احترام السياقات المحلية[14].

6-2. الدراسات السابقة

فيما يلي عرض لأبرز الدراسات الحديثة المرتبطة بموضوع البحث، التي اختيرت بناءً على صلتها بالسياق اليمني والدول الهشّة، مع بيان أوجه الشبه والاختلاف بينها وبين هذه الدراسة:

1. Barakat, S. & Milton, S. (2021). “Localisation across the Humanitarian-Development-Peace Nexus”. Journal of Peacebuilding & Development[15].

نُبذة عن الدراسة: تُناقش الدراسة كيف يمكن لمقاربات Nexus الثلاثي أن تخلق تدخلات أكثر محلية واستدامة في البيئات المتأثرة بالنزاعات، مع التركيز على حالة اليمن.

  • أوجه التشابه مع هذه الدراسة: تحليل Nexus في اليمن.
  • أوجه الاختلاف مع هذه الدراسة: تفتقر إلى نقد هيمنة المنظمات الدولية أو الخلفيات السياسية للتدخل.
  • الإضافة البحثية: تُلقي الضوء على الحاجة إلى تمكين محلي حقيقي يتجاوز خطاب المنظمات.

2. Al-Awlaqi, S. et al. (2020) “Yemen’s Triple Nexus: A Case Study of the Humanitarian, Development and Peace Interventions” ODI Working Paper[16].

نُبذة عن الدراسة: دراسة ميدانية تبحث في تفاعل المنظمات الإنسانية والتنموية وبناء السلام في اليمن، وتقييم فاعلية التعاون بين الجهات الدولية والمحلية.

  • أوجه التشابه مع هذه الدراسة: تناول مباشر للسياق اليمني وتقاطعات Nexus.
  • أوجه الاختلاف مع هذه الدراسة: لا تشمل أبعادًا معرفية أو نقدية لقيم التنمية الغربية.
  • الإضافة البحثية: تعزز أهمية السياق اليمني، وتكشف قصور التنسيق الدولي.

3. Maxwell, D. & Majid, N. (2016). “Famine in Somalia: Competing Imperatives, Collective Failures, 2011-12.” Oxford University Press[17].

نُبذة عن الدراسة: تقييم شامل لفشل التدخلات الدولية في الصومال، مع التركيز على البعد البنيوي للأزمات.

  • أوجه التشابه مع هذه الدراسة: نقد التدخل الخارجي في دولة هشّة.
  • أوجه الاختلاف مع هذه الدراسة: لا يغطي اليمن أو البُعد المجتمعي القيمي.
  • الإضافة البحثية: تقدم إطارًا لفهم الإخفاقات الممنهجة للتنمية الدولية.

4. Pavanello, S. et al. (2019). “Development Actors and the Nexus: Lessons from Crises in Bangladesh, Cameroon and Somalia.” Humanitarian Policy Group (HPG), ODI[18].

نُبذة عن الدراسة: تقارن تجارب Nexus في ثلاث دول هشّة، عن طريق تحليل دور الفاعلين التنمويين.

  • أوجه التشابه مع هذه الدراسة: تركيز على الدول الهشّة وإشكاليات Nexus.
  • أوجه الاختلاف مع هذه الدراسة: غياب تحليل للقيم والسيادة الوطنية.
  • الإضافة البحثية: توضح أن الخطاب الأممي لا يترجم دائمًا إلى تمكين فعلي.

5. Mallett, R. et al. (2015). “The Effects of Cash Transfers on Community Dynamics in Fragile States.” ODI[19].

نُبذة عن الدراسة: تحليل لتأثير المساعدات النقدية الدولية في المجتمعات المحلية في دول مثل جنوب السودان والكونغو.

  • أوجه التشابه مع هذه الدراسة: تحليل أثر المساعدات الخارجية على المجتمعات.
  • أوجه الاختلاف مع هذه الدراسة: لا يتناول نقد الأطر السياسية أو الفكرية للتنمية.
  • الإضافة البحثية: تبرز الأثر غير المقصود للمساعدات على بُنية المجتمع.

جدول (1)
يُبيّن أوجه التلاقي والاختلاف والإضافة مع هذه الدراسة

البُعد التحليلي

الدراسات السابقة

هذه الدراسة

البيئة اليمنية

تناول مباشر في دراسة

Al-Awlaqi وBarakat فقط

تركيز كلي على اليمن في ضوء التدخلات الدولية، وسياقات محلية وثقافية

النظرية النقدية

سطحية أو غائبة في معظم الدراسات

توظيف نظريات التبعية والبنائية، وتقديم رؤية تحليلية متعددة المستويات

المنظور القرآني

غير موجود

إدماج مفاهيم كالعدالة والاستخلاف والشراكة في قراءة التنمية

مقارنة دولية

جزئية ومحدودة

مقارنة مع دول كرواندا، كولومبيا، بنغلاديش لفهم البدائل التنموية

أدوات جمع البيانات

منهج كمي أو وثائقي غالبًا

توظيف منهج نوعي نقدي وثائقي

3. لمحة تاريخية عن تطور المنظمات الدولية ودورها التنموي

1-3. نشأة المنظمات الدولية

شَهِدَ النظام الدولي منذ مطلع القرن العشرين تحولات كبرى في شكل العلاقات الدولية وآليات تنظيمها، وكان من أبرز هذه التحولات نشوء وتطور المنظمات الدولية التي أصبحت فاعلًا أساسيًا في معالجة قضايا السلم والأمن والتنمية، وعلى أن الأدوار الأولى لهذه المنظمات كانت تركز على تجنب الحروب والصراعات، إلا أن التجربة التاريخية أبرزت أهمية التوجه نحو التنمية بوصفها أداة لتحقيق الاستقرار ومنع الأزمات. أُنشئت المنظمات الدولية الحديثة في أعقاب الحروب الكبرى (الحرب العالمية الأولى والثانية) بهدف منع النزاعات وتعزيز السلام العالمي، ومن أبرزها عصبة الأمم 1919م والأمم المتحدة 1945م اقتصرت في البداية أدوارها على الوساطة في الصراعات، لكنها توسّعت لاحقًا إلى مجالات التنمية والبنية التحتية والصحة.

2-3. المنظمات الدولية والتنمية - مراحل التطور[20]

  1. بدأت فكرة إنشاء منظمات دولية بظهور منظمات تقنية وتخصصية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات 1865م والاتحاد البريدي العالمي 1874م، ثم ظهرت أول منظمة دولية ذات طابع سياسي بعد الحرب العالمية الأولى وهي عصبة الأمم 1919م، لكنها فشلت في تحقيق الاستقرار والسلام العالمي لأسباب تتعلق بغياب القوى الكبرى عنها (كالولايات المتحدة)، وضعف آليات الردع. في هذه المرحلة لم يكن الدور التنموي مطروحًا بشكل واضح، بل كانت المهام ذات طابع تنسيقي أو قانوني محدود.
  2. مرحلة التأسيس الأممي: الأمم المتحدة والمؤسسات التنموية (1945 - 1970م)[21] مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد جرى تأسيس منظمة الأمم المتحدة 1945م، ورافقها إنشاء عدد من الوكالات والمنظمات المتخصصة ذات الصلة بالتنمية، منها على سبيل المثال:
    • البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD).
    • صندوق النقد الدولي (IMF).
    • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)[22].
    • منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
    • منظمة الصحة العالمية (WHO).

    بدأت هذه المؤسسات بالتركيز على إعادة الإعمار الاقتصادي للدول المتضررة من الحرب، ثم توسّعت أنشطتها لتشمل دعم الدول النامية خاصة بعد حركة التحرر الوطني.

  3. مرحلة المساعدات التنموية المشروطة (1970 - 1990م)[23].
  4. بدأت المنظمات الدولية، خصوصًا المالية منها، بربط المساعدات بسياسات اقتصادية محددة (مثل برامج التكييف الهيكلي)، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول جدوى هذه السياسات التي أدت أحيانًا إلى إفقار المجتمعات بدل تنميتها. تصاعد دور المنظمات الدولية غير الحكومية (INGOs) خصوصًا بعد المجاعات والأزمات الكبرى في إفريقيا وآسيا، بعد التحول نحو الاعتراف بالعوامل الاجتماعية والمؤسسية جزءًا من مقومات التنمية.

  5. من التنمية إلى التنمية المستدامة (1990 - 2015م)[24].
  6. بعد انتهاء الحرب الباردة توسّعت برامج المنظمات الدولية لتشمل قضايا مثل: الحكم الرشيد، والشفافية، وتمكين المرأة، والتعليم الأساسي، وجرى إطلاق سلسلة من المبادرات التنموية الكبرى، من أبرزها إعلان الألفية 2000م الذي أسفر عن تبنّي أهداف التنمية الألفية الثمانية (MDGs)، وتعزيز التنسيق بين المانحين والبلدان المستفيدة عن طريق إعلان باريس 2005م بشأن فاعلية المساعدات.

  7. مرحلة أهداف التنمية المستدامة (2015م - حتى الآن)[25].
  8. في عام 2015م جرى تبنّي أجندة 2030م للتنمية المستدامة التي تضم 17 هدفًا تشمل محاور شاملة كالقضاء على الفقر، والمساواة، والعمل اللائق، والمناخ، والمجتمعات المسالمة، في هذه المرحلة أصبحت المنظمات الدولية تتبنى نهجًا تشاركيًا ومندمجًا وتسعى لتعزيز الملكية المحلية التنموية، التنموية ومع ذلك ظل التحدي ماثلًا في كيفية تكييف هذه الأجندة مع السياقات المحلية، وبالأخص في الدول الهشّة مثل اليمن.

المرحلة التاريخية

أبرز السمات

1945 - 1960م

برامج إعمار ما بعد الحرب وبداية «مارشال» الأوروبي ومساعدات إنقاذية

1960 - 1980م

عقود التنمية وتدخل البنك الدولي في الدول النامية و خطط تمويل طويلة المدى

1980 - 2000م

تصاعد برامج الإصلاح الهيكلي وخصخصة المشاريع الحكومية وتقشف وزيادة التبعية

2000 - 2020م

أهداف الألفية التنموية وتدخلات إنسانية وتطويرية مركبة

ما بعد 2020م

التنمية المستدامة وتغير المناخ والتركيز على الحوكمة والبيئة والمجتمع

3-3. نقد تطور الدور التنموي

تواجه المنظمات الدولية انتقادات عديدة منها:

  1. تُعدّ أيديولوجيا التنمية استراتيجية عالمية للهيمنة؛ إذ إنها تكرس التبعية عن طريق الترويج لنموذج تحديث مشتق من التاريخ الغربي متجاهلة الخصوصيات الثقافية والبنيوية للجنوب العالمي، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية البنيوية[26].
  2. كانت الشروط تستخدم ليس فقط لضمان سداد القروض، بل لإجبار الدول على تبنّي سياسات تخدم غالبًا مصالح الدول الدائنة وليس بالضرورة مصالح الدول المقترضة، مما يؤدي إلى شروط اقتصادية تمس السيادة[27].
  3. لم تُصوَّر التنمية استراتيجية مفروضة من الأعلى فقط، بل أيضًا منظمة ثقافية تهدف إلى استبدال المعتقدات والممارسات التقليدية بأساليب الحياة الغربية الحديثة، مما يؤدي إلى إهمال السياقات الثقافية والدينية للمجتمعات[28].
  4. لقد جرى دمج التنمية بشكل متزايد في استراتيجيات الحوكمة العالمية، لا بوصفها غاية في حد ذاتها، بل أداة للسيطرة على الفوضى في الأطراف، وتحويل التنمية إلى أداة ضغط سياسي وأمني[29].

تُظهر هذه المراجعة التاريخية أن دور المنظمات الدولية في التنمية لم يكن ثابتًا بل مر بتحولات مرتبطة بالسياق السياسي والاقتصادي العالمي، وأن الممارسة التنموية تطورت من مجرد تقديم مساعدات إلى تبنّي استراتيجيات أكثر شمولًا، ويبقى التحدي الأبرز هو مدى فاعلية هذه المنظمات في السياقات المعقدة وقدرتها على تحقيق تنمية حقيقية تنبع من داخل المجتمعات لا تُفرض من الخارج.

4. المنظور القرآني والتنمية المستقلة

1-4. مفهوم التنمية في المنظور القرآني

إن المفهوم القرآني للتنمية لا يستند إلى مؤشرات اقتصادية فحسب، بل يتأسس على رؤية تكاملية للإنسان بوصفه خليفة في الأرض ومسؤولًا عن إعمارها وفق القيم والميزان والحق، فالتنمية من هذا المنظور ليست مشروعًا ماديًا، بل رسالة وجودية ذات أبعاد إيمانية وأخلاقية واجتماعية. ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61) ﴿وَٱبْتَغِ فِيمَا آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾(القصص: 77).

هاتان الآيتان توضحان تلازم العمران الروحي والمادي بحيث تصبح تنموي، المستقلة امتدادًا للوظيفة الاستخلافية لا مجرد تلقي مساعدات أو تبعية للممول الخارجي، فالتمكين في القرآن الكريم لا يفهم بوصفه سيطرة مادية بل يتصل اتصالًا وثيقًا بوظيفة الاستخلاف أي التمكين الذي يفضي إلى الإصلاح وإقامة العدل[30].

2-4. التنمية والكرامة الإنسانية

يؤكد المنهج القرآني أن الكرامة الإنسانية هي أساس أي مشروع تنموي لا العائد الاقتصادي فقط، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). أي أن أي تدخل تنموي لا يحفظ الكرامة والاستقلال أو ينزع الإرادة الوطنية هو منقوص شرعًا ومآلًا، حتى لو بدا نافعًا، فالكرامة الإنسانية في القرآن ليست مجرد تفضيل خلقي، بل قاعدة أساسية لأي إصلاح أو مشروع اجتماعي؛ إذ إن غاية التشريع هي حفظ كرامة الإنسان[31].

3-4. الاستقلال في القرار التنموي

القرآن يربط الفاعلية التنموية بالتمكين الذاتي لا بالاعتماد على الخارج؛ فالتمكين الذاتي في الرؤية الإسلامية ركيزة في تكوين الشخصية القادرة على الفعل الحضاري، وهو متصل بمبدأ التغيير الداخلي[32] كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾(الرعد: 11). هذه الآية تسوغ السيادة الداخلية كأساس للتنمية، فإن النموذج التنموي المرتبط بشروط خارجية - كما في بعض برامج البنك الدولي وصندوق النقد - قد يكون مخالفًا لروح الاستقلال القرآنية.

4-4. مفاهيم قرآنية مقابِلة للنماذج الغربية

المفهوم الغربي

المقابل القرآني

المضمون

النمو الاقتصادي

التمكين

ليس فقط زيادة الثروة، بل تعزيز قدرة الإنسان على إدارة حياته

الفعالية الإنمائية (Efficiency)

الإحسان والإتقان

العمل بإتقان ضمن منظومة القيم، لا الربح فقط

الحوكمة (Governance)

العدل والشورى

الحوكمة قائمة على الشفافية، والعدل والمشاركة الشعبية

الشراكة الدولية

التكافل والتعاون

شراكة تقوم على التناصر والتكامل، لا التبعية

نستنتج هنا أن النموذج التنموي القرآني يقترح إطارًا تنمويًا يرتكز على:

  • العدالة التوزيعية: توزيع الموارد والخدمات بعدالة (الزكاة، الوقف، المسؤولية الاجتماعية).
  • التمكين المحلي: تعزيز قدرات الأفراد، لا إحلالهم بمساعدات مؤقتة.
  • المرجعية القيمية: التنمية في إطار أخلاقي لا ماديٍّ محض.

يرسم المنظور القرآني للتنمية طريقًا مختلفًا عن النهج الدولي السائد؛ فهو يركز على التمكين الذاتي والعدالة الأخلاقية، ويرى الإنسان محورًا لا وسيلة. ومع تطور المنظمات الدولية إلى فواعل تنموية، تبرز الحاجة لتقييم علاقتها بالدول الهشّة من زاوية الاستخلاف، لا فقط المساعدات. وهذا ما تسعى إليه هذه الدراسة إلى إعادة تعريف التنمية في اليمن بوصفها مشروعًا حضاريًا سياديًا، لا مجرد تدخل دولي ناعم[33].

يمكن القول إن هناك مثلثًا تكامليًا للتنمية يجمع بين البُعد القرآني والبُعد الدولي، يقوم هذا النموذج على ثلاثة أركان رئيسة متداخلة:

الركن

التوصيف

التفاعل مع البعد القرآني

الرؤية الوطنية

قيادة محلية تمتلك تصورًا استراتيجيًا للتنمية

الاستخلاف والتمكين {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ...}

الفاعلية المجتمعية

إشراك المجتمع المحلي فاعلًا، لا هدفًا فقط

الشورى والمسؤولية الجماعية {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}

الشراكة المنضبطة مع المنظمات الدولية

تدخلات خارجية موجّهة، وموائمة للخصوصية المحلية

التعاون المشروط بالبر والتقوى {تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ...}

ويقوم هذا النموذج على ثلاثة مبادئ تشغيلية، هي: التمكين بدل التلقين، والتوطين بدل الاستيراد، والكرامة بدل التبعية.

وفي ضوء المنهجية القرآنية، فإن التنمية ليست فقط توفير خدمات، بل هي وظيفة استخلافية وقيمة إنسانية تُعيد الاعتبار للكرامة والعدالة والبناء الذاتي، وتربط العمل التنموي بالغاية الإلهية من وجود الإنسان في الأرض: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61)، فالبحث يدعو إلى الانتقال من الاعتماد على الخارج إلى تحشيد الداخل، ومن المشاريع المُملَى بها خارجيًا إلى المشاريع المبنية على معرفة المجتمع بذاته، ومن الأهداف الأممية المعيارية إلى الرؤية القرآنية التي تصوغ التنمية بوصفها تحررًا لا تبعية.

إن التنمية في اليمن لن تكون ممكنة ما لم نبدأ من تحرير المفهوم نفسه؛ من أنه مشروعًا مموَّلًا من الخارج إلى كونه مسؤولية متجذرة في الذات اليمنية والوعي القرآني، تسير وفق قول الله تعالى: (ِإِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُُ) (الإسراء: 9).

إن النموذج القرآني للتنمية لا يرفض التعاون الدولي، لكنه يضعه ضمن إطار التكافؤ والعدالة؛ فالتبعية المطلقة للتمويل الخارجي، التي تنتقدها نظرية التبعية، تتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًۭا﴾ (النساء: 141)، هذا يعني أن أي مشروع تنموي حقيقي يجب أن يحفظ السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية، ويستند إلى الاستخلاف والتمكين الذاتي، لا إلى شروط سياسية واقتصادية مفروضة من الخارج.

5. تحليل دور المنظمات الدولية في اليمن قراءة نقدية من منظور سوسيولوجي

1-5. مدخل عام من التدخل الإغاثي إلى التنمية الموجَّهة

يُعدّ اليمن من أكثر البلدان التي تعرضت لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة خلال العقود الأخيرة؛ نتيجة تداخل أزمات داخلية وهيكلية مع تدخلات إقليمية ودولية، وفي ظل هذا السياق المعقد ظهرت المنظمات الدولية بوصفها أحد أبرز الفواعل غير الحكومية في المشهد التنموي؛ إذ تحوّلت من فاعل ثانوي إلى عنصر حيوي في تقديم الخدمات وتخفيف آثار الانهيار المؤسسي، خاصة بعد 2011م، ومع ذلك يظل دور هذه المنظمات محاطًا بجملة من الإشكالات المرتبطة بالفاعلية والتبعية والمواءمة والتأثير في البنية الاجتماعية.

منذ شنّ العدوان على اليمن عام 2015م تزايد الحضور الميداني والسياسي للمنظمات الدولية[34]، وعلى رأسها: UNICEF، GIZ، FAO، WHO، WFP، UNDP وغيرها، لتغطية الفراغ الذي خلفته مؤسسات الدولة المتصدعة، هذا التدخل، الذي بدأ باعتباره استجابة طارئة للأزمة الإنسانية، تحوّل تدريجيًا إلى فاعل تنموي مركزي يتدخل في ملفات الغذاء والصحة والتعليم والبنية التحتية والإصلاح المؤسسي، دون مسار وطني متكامل أو سيادة واضحة للقرار التنموي المحلي[35].

2-5. تحليل سوسيولوجي لدور المنظمات الدولية

  1. الهيمنة الرمزية وإنتاج أولويات التنمية
  2. لا تكتفي المنظمات الدولية بتقديم التمويل، بل تُعيد صياغة تعريف ما المهم تنمويًا. مشاريع مثل النقد مقابل العمل أو تمكين النساء من إدارة مشاريع صغيرة غالبًا ما تكون مصممة وفق معايير مانحة، لا وفقًا لاحتياجات المجتمع أو أولوياته، هذه الحالة عبّر عنها بيير بورديو بـالهيمنة الرمزية، إذ يجري فرض مفاهيم تنموية مستوردة على السياق المحلي بوصفها الطبيعي والمعقول، وبحسب نظرية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي التي توضّح علاقة الدولة بتنظيمات المجتمع المدني، فقد خُصِّص هذا المفهوم لتوضيح ميدان جديد للصراع ضد الرأسمالية، وليس مجالًا للتعامل معها[36].

  3. تفكك الفضاء المؤسسي المحلي
  4. أسهمت المنظمات الدولية في إضعاف البُنى الحكومية اليمنية عن طريق استقطاب الكفاءات منها للعمل في مشاريع ممولة، كما أن تعدد مصادر التمويل وتضارب المرجعيات يؤدي إلى ازدواج في الوظائف وانعدام التنسيق، وهو ما وصفه Douglass North بالفوضى المؤسسية في الدول الهشّة، وعلى رغم ما تقدمه هذه المنظمات وتنوع أنشطتها، إلا أن كثيرًا من المنظمات الدولية والمحلية الخيرية تعاني من الكثير من المشكلات في مشاركتها في التنمية، وكذلك المشكلات التي تتعلق بالبناء المؤسسي وتكويناته المختلفة، بالإضافة إلى تبنّي البناء المؤسسي التقليدي الذي لا يواكب التطورات والمتغيرات الإقليمية والعالمية المعاصرة[37].

  5. إعادة إنتاج التبعية التنموية
  6. بحسب نظرية التبعية، فإن الدول النامية تُصبح مفعولًا به عبر الاعتماد على المساعدات، ففي اليمن تظهر هذه التبعية في ربط المساعدات بشروط إدارية معينة، وتنفيذ المشاريع دون إشراك حقيقي للجهات المحلية، وتدويل ملفات تنموية داخلية يُفترض أن تدار وطنيًا[38].

  7. تقويض رأس المال الاجتماعي المحلي
  8. تدخلات المنظمات، لاسيما في الريف، تجاوزت الهياكل التقليدية (المجالس المحلية، التعاونيات الزراعية)، ما أسهم في تفريغ المجتمعات من آلياتها الطبيعية للتعاون والتضامن، هذا الوضع يتناقض مع مقولة عالم الاجتماع روبرت بوتنام عن أهمية رأس المال الاجتماعي بوصفه شرطًا أساسيًا لأي تنمية ناجحة[39].

  9. التنمية عملية مسيّسة
  10. التدخلات التنموية غالبًا يجري توظيفها لصالح أحد أطراف النزاع أو مناطق دون أخرى؛ فتُصبح التنمية هنا أداة لضبط النفوذ لا لبناء السلام، وهو ما يخالف المقاربة السوسيولوجية للنزاع التنموي (Paul Collier)، وأصبح هذا واضحًا بعد أن اعتقلت الأجهزة الأمنية اليمنية عددًا من الجواسيس العاملين في المنظمات الدولية، الذي كانوا يرفعون معلومات لأجهزة المخابرات الخارجية، وخاصة الأمريكية، عن نقاط ارتكاز القدرات اليمنية أو الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي تحت سلطة المجلس السياسي الأعلى[40].

3-5. النتائج الإيجابية من منظور واقعي

على رغم الملاحظات النقدية لا يمكن إنكار أن المنظمات الدولية خففت من حدة الكارثة الإنسانية، خصوصًا في مجالات الصحة والتغذية والمياه، ونفذت برامج تدريبية ومشاريع زراعية ذات أثر محدود لكن ملموس، وساعدت في إبقاء مؤسسات حيوية (مثل القطاع الصحي) قيد التشغيل. لكن يظل السؤال الجوهري: هل هذه الإنجازات تشكل تنمية مستدامة مستقلة أم مجرد إدارة أزمة مؤقتة[41]؟

4-5. تحديات تفعيل شراكة تنموية حقيقية[42]

التحدي

التوصيف

غياب استراتيجية وطنية

لا توجد رؤية شاملة تقود تدخلات المنظمات

ضعف القدرات المؤسسية

الجهات الحكومية تفتقر للخبرة والشفافية

تعدّد الجهات الدولية

تعدّد مصادر التمويل يؤدي إلى تناقض وتضارب بين المشاريع

ضعف إشراك المجتمع

معظم المشاريع لا تُشرك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ

5-5. نحو تجاوز التبعية منظور سوسيولوجي تنموي بديل

يقترح المنظور السوسيولوجي التنموي أن تكون التنمية عملية تمكين اجتماعي طويلة الأمد، وليس مجرد مشاريع منفذة خارجيًا، ولتحقيق ذلك في السياق اليمني نحتاج إلى:

  • بناء مشروع تنموي وطني مستقل عن أجندات التمويل الخارجي.
  • إعادة الاعتبار للهياكل الاجتماعية المحلية بوصفها فاعلًا حيويًا في التنمية.
  • مأسسة العلاقة مع المنظمات الدولية ضمن اتفاقيات واضحة تخضع للرقابة.
  • ربط التنمية بمفاهيم قرآنية كالعدل، الإحسان، الاستخلاف، والمشاورة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، لا أن تُملَى من الخارج دون حوار.

  1. السياق البنيوي للتنمية في اليمن
  2. تشير الدراسات إلى أن البنية التنموية في اليمن تعاني من اختلالات بنيوية عميقة تتجلّى في ضعف مؤسسات الدولة وتفشي الفساد الإداري، إضافة إلى هشاشة الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، بما في ذلك الصحة والتعليم والمياه. كما يُلاحظ تركز السلطة والثروات في مناطق محددة جغرافيًا وقبليًا؛ الأمر الذي أدى إلى استمرار ضعف الإدارة المركزية، ونتيجة لذلك أصبحت المساعدات الدولية ضرورة محورية في تمويل خطط التنمية الحكومية، التي أضحت مرهونة أو مشروطة بالدعم الدولي الخارجي. هذا الواقع ساهم في خلق فراغ تنموي غالبًا ما تسده المنظمات الدولية التي تفرض نفسها بديلًا مؤقتًا للأدوار التنموية للدولة، وليس شريكًا استراتيجيًا دائمًا، وقد وثّقت الدراسة الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2022م هذه الظواهر، مشيرة إلى أن اليمن يشهد ضعفًا كبيرًا في أداء مؤسسات الدولة الاقتصادية والإدارية، وتزايد الاعتماد على التمويل الخارجي، في ظل هشاشة متفاقمة للخدمات الأساسية، يقابله اتساع أدوار المنظمات الدولية في تلبية متطلبات السكان الأساسية[43].

    التحليل القانوني والمؤسسي

    فالأطر القانونية تواجه تحديات، منها:

    • قانون الجمعيات والمنظمات: يتيح تسجيل المنظمات، لكنه لا يضع معايير شفافة للرقابة على التمويل أو تقييم المشاريع.
    • قرارات المجلس الأعلى للشؤون الإنسانية: تنص على إنشاء لجنة عليا للتنسيق، لكن التطبيق ضعيف لغياب قاعدة بيانات موحدة للمشاريع، وعدم وجود نظام عقوبات فعّال.

    التحديات الرقابية

    فهناك ضعف القدرات المؤسسية في وزارة التخطيط - قبل إلغائها - وأجهزة الرقابة المالية، كما يوجد تضارب في المرجعيات بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية. أضف إلى ذلك غياب إلزام المنظمات بنشر تقارير مالية مفصلة.

    ويمكن أن تكون هناك توصيات بهذا الشأن، مثل:

    • إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لجميع التدخلات.
    • تعديل قانون الجمعيات ليشمل آليات رقابة لاحقة.
    • إلزام المنظمات الدولية بعقود واضحة مع الحكومة والرقابة الميدانية.

    جدول الأطر القانونية المنظمة لعمل المنظمات الدولية في اليمن

    الإطار القانوني

    الهدف

    نقاط القوة

    نقاط الضعف

    قانون الجمعيات والمنظمات (2001م)

    تنظيم عمل المنظمات

    يوفر إطار تسجيل وترخيص

    ضعف التطبيق والرقابة الفعلية

    قرارات مجلس الشؤون الإنسانية (2021م)

    تنسيق مشاريع التنمية

    وجود لجنة عليا للتنسيق

    غياب قاعدة بيانات موحدة للمشاريع

  3. تحليل طبيعة تدخلات المنظمات الدولية (2015 - 2025م)
    أ. المجالات الأساسية للتدخل[44]
    وفقًا لتقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، تركز تدخل المنظمات الدولية في اليمن في مجالات عدة:

    المجال

    أمثلة على البرامج

    الأمن الغذائي

    برامج الأغذية العالمية (WFP)، توزيع القسائم الغذائية

    الصحة العامة

    دعم حملات التحصين، مكافحة الكوليرا، دعم المستشفيات

    التعليم

    دعم المدارس المجتمعية، تدريب المعلمين، توفير الحقيبة المدرسية

    سبل العيش

    دعم مشاريع صغيرة، برامج نقد مقابل العمل، التمكين المجتمعي

    تمكين المرأة

    برامج النوع الاجتماعي، التمكين الاقتصادي، الحماية من العنف

    ب. نمط التدخل[45]
    كان نمط التدخل هنا قصير الأجل في الغالب (إغاثيًا أكثر من تنموي) ، ومشروطًا بالأمن الجغرافي والسياسي؛ إذ يتركز غالبًا في مناطق دون أخرى، ويعاني من ضعف التنسيق المؤسسي مع السلطات المحلية، مما يخلق تداخلاً أو ازدواجية في التنفيذ، مما سمح للمنظمات بالتلاعب وتسييس العملية التنموية.
  4. تحليل الأثر الاجتماعي والتنموي
  5. من منظور علم الاجتماع التنموي يمكن تلخيص أهم ملامح الأثر كلآتي:

    أ. الإيجابيات: توفير حد أدنى من الاستقرار المعيشي في مناطق الأزمات، واستيعاب آلاف الشباب في برامج التوظيف المؤقت، وإحياء بعض البُنى المجتمعية المهملة؛ فقد أسهمت تدخلات المنظمات الدولية في توفير قدر من الحماية الاجتماعية والدعم الغذائي والصحي، كما ساعدت برامج النقد مقابل العمل في استيعاب بعض فئات الشباب ضمن أعمال مؤقتة، وإعادة إحياء مؤسسات المجتمع المحلي مثل المجالس القروية والتعاونيات.

    ب. الإشكالات البنيوية: الاعتمادية الكبيرة على المنظمات وتوليد نمط من الاعتماد البنيوي على المساعدات، ما يُضعف المبادرة المحلية، والاستبعاد عن طريق اقتصار بعض التدخلات على مناطق دون أخرى لأسباب أمنية أو سياسية، والتشظي المؤسسي، مما سمح بالتلاعب ودخول عدد كبير من المنظمات، دون تنسيق، أضعفت تكامل السياسات العامة، وسبّبت تسييس العمل الإنساني، وسمحت بانتقائية الدعم وفق أجندات مانحين أو مواقف سياسية، فعلى رغم أهمية المساعدات الخارجية، إلا أن الاعتماد المتزايد عليها يعمّق من حالة الاعتمادية البنيوية للمجتمعات اليمنية، ويؤدي إلى ضعف المبادرات المحلية، كما أن غياب التنسيق الفعّال بين المنظمات أدى إلى تشتت الجهود، وتدخل بعضها في مناطق دون أخرى وفق اعتبارات سياسية وأمنية، ما أضعف تكامل السياسات العامة وخلق اختلالات في توزيع المشاريع[46].

  6. الديناميات الاجتماعية الناتجة عن التدخل الدولي
  7. أسهمت المساعدات الدولية في بروز طبقة نخبوية محلية تعتمد دخلها الأساسي على مشاريع المنح والمساعدات، بدلًا من الاقتصاد المنتج. يُلاحَظ أن وسطاء المشاريع غالبًا ما يكونون من الوجهاء المحليين أو شيوخ القبائل، يسيطرون على تدفق الموارد ويوجهونها ضمن علاقات زبائنية، ما يعزز البُنى الهرمية القائمة ويعرقل التغيير الاجتماعي الحقيقي، كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي أضعف استدامة المبادرات المدنية، وحولها من أفعال اجتماعية عضوية إلى أنشطة قصيرة الأجل ممولة من الخارج[47].

  8. ملاحظات نقدية على الأداء الأممي
  9. كان من أهم الملاحظات النقدية على الأداء الأممي غياب التقييم المستقل لمخرجات البرامج، وغلبة المنظور (الإجرائي - الإغاثي) على المشاريع دون تحليل جذور الفقر واللامساواة، وقلة الاستثمار في بناء القدرات الوطنية المستدامة؛ من أجل الاستيلاء على المرتبات والامتيازات لموظفي الأمم المتحدة، وتضخم الهياكل الإدارية للمنظمات مقارنة بحجم المخرجات، فكانت الموازنة 60% مرتبات أممية و40% للمجتمعات. إن الدور الذي تؤديه المنظمات الدولية في اليمن لا يمكن إنكاره من حيث الأثر المباشر، لكن عند فحصه بعمق من منظور سوسيولوجي تنموي يتبيّن أنه غالبًا ما يُعيد إنتاج نفس البنية المختلة التي يسعى تجاوزها، بل ويعزز أنماطًا من التبعية المؤسسية واللامساواة الاجتماعية، وهذا ما يستدعي إعادة التفكير في نمط الشراكة بين الدولة والمنظمات الدولية عن طريق بناء أجندة تنموية وطنية تدمج الفاعلين المحليين وتعيد الاعتبار للتنمية بوصفها مشروعًا تحرريًا لا عملية إحلال خارجي مؤقت، فالتحليل السوسيولوجي التنموي يكشف أن دور المنظمات الدولية في اليمن هو مفارقة لافتة، فبينما تقدم هذه المنظمات خدمات ملموسة تخفف من وقع الأزمة، إلا أن بنيتها وآلياتها وأجنداتها تُعيد إنتاج التبعية وتُضعف مسارات التنمية المستقلة؛ لذلك فإن الطريق نحو تنمية يمنية حقيقية يمر عبر نزع مركزية التنمية الدولية وبناء نموذج قائم على التمكين الاجتماعي والسيادة المحلية والمرجعية الأخلاقية[48].

6-5. ملخص نقدي لمشاريع التنمية في اليمن UNDP - GIZ - WFP

  1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)[49]
  2. أبرز المشاريع:

    • برنامج دعم سُبُل العيش (Livelihood Support Program).
    • الاستجابة لتعافي الحكم المحلي.
    • التمكين الاقتصادي للشباب والنساء.

    التقييم النقدي:

    البُعد

    التحليل

    الإيجابيات

    دعم المهارات المهنية لنحو 100 ألف مستفيد، تقديم برامج دعم نقدي مقابل العمل في المدن المتضررة، محاولات لتعزيز الحكم المحلي في 13 محافظة.

    السلبيات

    افتقار المشاريع لخطط استدامة، تنفيذ ميداني منفصل عن مؤسسات الدولة الرسمية، ضعف المأسسة، اعتماد مفرط على المنظمات المحلية المنفذة دون رقابة فعّالة.

    تفتقر المشاريع للربط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتُعيد أحيانًا إنتاج الفجوة بين الريف والحضر، وتُقصي المجتمعات من صياغة الأولويات.

  3. الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)[50]
  4. أبرز المشاريع:

    • تحسين نظم المياه والصرف الصحي.
    • دعم قطاع التعليم والتدريب المهني.
    • برامج الحوكمة المحلية ومساءلة البلديات.

    التقييم النقدي:

    البُعد

    التحليل

    الإيجابيات

    تبنّي نهج تشاركي عن طريق المجتمعات المستفيدة، مشاريع نوعية في مجالات نادرة (المياه، الصرف الصحي)، إسهام في بناء قدرات السلطات المحلية.

    السلبيات

    تركيز مفرط على المناطق الحضرية، ضعف التنسيق مع الرؤية الوطنية التنموية، عدم تكافؤ توزيع المشاريع بين المحافظات.

    على رغم جودة مشاريع GIZ، إلا أنها تعمل بنموذج الأرخبيل المنفصل، أي جزر تنموية منعزلة عن السياسات الوطنية أو التمكين طويل المدى.

  5. برنامج الغذاء العالمي (WFP) [51]
  6. أبرز التدخلات:

    • المساعدات الغذائية الطارئة لأكثر من 13 مليون شخص.
    • مشاريع التغذية المدرسية ودعم المرأة الحامل والمرضع.
    • برنامج النقد مقابل الغذاء أو العمل.

    التقييم النقدي:

    البُعد

    التحليل

    الإيجابيات

    استجابة إنسانية واسعة قللت من المجاعة، استخدام نظم رقمية لتحديد المستفيدين.

    السلبيات

    شكاوى من التوزيع غير العادل والفساد المحلي، اعتماد شبه كامل على المساعدات دون خلق بدائل إنتاجية، ضعف تكامل البرامج مع التنمية الزراعية المحلية.

    نقد اجتماعي: يكرس WFP منطق الغذاء بدل الإنتاج، ما يضعف السيادة الغذائية ويبقي المجتمعات في حالة انتظار.

جدول حجم التدخلات الدولية في اليمن (2015 - 2024م)

المنظمة

حجم التمويل (مليون $)

عدد المستفيدين (مليون)

نسبة المشاريع الإغاثية

نسبة المشاريع التنموية

UNDP

850

3.2

%60

%40

WFP

4,000

13

%85

%15

GIZ

300

0.7

%30

%70

تقديرات الباحث اعتمادًا على تقارير (UNDP، WFP، GIZ) للأعوام 2020–2024م، وعلى التقرير السنوي لـ UNCT لعام 2021م

جدول تقييم استدامة المشاريع الدولية[52]

المنظمة

نوع المشروع

نسبة الاستدامة بعد انتهاء التمويل

ملاحظات

UNDP

دعم سبل العيش

%35

غياب الربط بالمؤسسات الوطنية

WFP

نقد مقابل الغذاء

%20

طابع إغاثي لا إنتاجي

GIZ

مياه وصرف صحي

%70

تسليم الإدارة للمجتمع المحلي

حالات ميدانية لاستدامة المشاريع الدولية في اليمن

تظهر التجارب أن إشراك المجتمع المحلي في إدارة المشاريع عنصر حاسم لاستدامتها، كما يتضح في حالات ميدانية متباينة النتائج في اليمن.

حالة نجاح: مشروع تحسين شبكات المياه في محافظة لحج (GIZ)[53]

نفّذت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) مشروع إعادة تأهيل شبكة مياه تخدم 12 قرية بمحافظة لحج. استفاد من المشروع أكثر من 25 ألف شخص، وانخفضت الأمراض المنقولة بالمياه بنسبة 40% خلال عام واحد، ويرجع نجاح هذا المشروع إلى إشراك المجتمعات المحلية في الإدارة، وتسليم إدارة الشبكة لمجلس محلي منتخب، وتدريب الكوادر المحلية.

حالة فشل: برنامج النقد مقابل العمل (WFP) في الحديدة[54]

نفّذ برنامج الأغذية العالمي (WFP) برنامج النقد مقابل العمل في محافظة الحديدة، موفرًا فرص عمل مؤقتة لـ 5,000 عامل في مشاريع نظافة عامة لمدة ستة أشهر فقط، إلا أن النشاط توقف كليًا بعد انتهاء التمويل ولم يُخلّف أثرًا مستدامًا. ويعزى الفشل إلى غياب خطة للاستدامة، وعدم ربط المستفيدين بفرص عمل دائمة، وضعف إشراك السلطات المحلية في التنفيذ.

6. نماذج دول ما بعد النزاع

تُعدّ التجارب المقارنة أداة علمية مهمة في تقييم السياسات التنموية وفهم الشروط التي تؤدي إلى نجاح أو فشل تدخلات المنظمات الدولية، وعن طريق تحليل نماذج من دول شهدت صراعات داخلية أو انهيارًا في مؤسساتها ثم استعادت مسارها التنموي، يمكن استخلاص دروس قابلة للتكييف مع الحالة اليمنية، في هذا المحور سيكون التركيز على ثلاث تجارب: رواندا، بنغلاديش، وكولومبيا، بوصفها نماذج لبلدان استثمرت التدخل الدولي لصالح تنمية متوازنة، وفي سياق النقاش حول دور المنظمات الدولية في التنمية، تبرز تساؤلات جوهرية تتعلق بقدرة الدول الخارجة من النزاع على الاستفادة من الدعم الدولي دون الوقوع في شرك التبعية، ومدى إمكانية تحويل المعونات إلى مشروع سيادي تحويلي يتجاوز الاستجابة الطارئة، وللإجابة عن هذه التساؤلات يستعرض هذا المبحث ثلاث تجارب بارزة شاركت في تحويل الأزمات إلى فرص تنموية عبر إدارة ذكية للمساعدات الدولية والاستثمار فيها بوصفها موارد للتمكين الوطني.

1-6. (رواندا) من الإبادة إلى الدولة التنموية

شَهِدَت رواندا إبادة جماعية عام 1994م قُتل فيها أكثر من 800 ألف شخص، وتفككت مؤسسات الدولة بالكامل، ومع ذلك استطاعت خلال 15 عامًا أن تصبح من أسرع الاقتصادات نموًا في إفريقيا.

وكانت آلية التحول عبارة عن قيادة سياسية مركزية (بول كاغامي) اتخذت قرارًا حاسمًا بربط الدعم الدولي بأولويات وطنية لا أممية، وخطة «رؤية رواندا 0202م» التي كانت الإطار الحاكم لكل تدخل خارجي، ورفض المساعدات المشروطة التي تخالف السيادة أو تتجاوز الحكومة، وإعادة هيكلة المجتمع وفق قيم المصالحة عبر محاكم «گاجاچا» الشعبية، وقد ركزت رواندا على بناء رأس المال البشري وتعزيز التكنولوجيا والخدمات الصحية[55].

النتائج:

نمو اقتصادي يتجاوز 7% سنويًا، نسبة الفقر انخفضت من 77% 1994م إلى 38% 2020م، وتحسُّن ترتيبها في مؤشر مكافحة الفساد والشفافية[56].

الدروس المستفادة لليمن:

السيادة أولًا، فلا يمكن للتنمية أن تزدهر دون إطار وطني قوي يضبط العلاقة مع المانحين، وقيم العدالة الانتقالية شرط للاستقرار، كما أن التنمية لا تنفصل عن المصالحة المجتمعية، وخاصة بعد الظلم الذي حدث في حروب صعدة الست، وحرب الجنوب 1994م، وغيرها من الحروب في ظل الأنظمة السابقة، والقيام بالتنسيق المؤسسي الفعّال القادر على توجيه الموارد الدولية لتحقيق أهداف وطنية أمر حاسم؛ فلا تنجح برامج التنمية دون إطار قيادي محلي يفرض تكاملًا بين الخارجي والداخلي. فالاعتماد على المجتمع المحلي في تنفيذ المشاريع يعزز الثقة والاستدامة[57].

2-6. (بنغلاديش) من بلد منكوب إلى قوة تصدير

تعاني بنغلاديش من كثافة سكانية عالية، ومعدلات فقر مرتفعة، وكوارث طبيعية متكررة، وقد خرجت بنغلاديش من حرب أهلية واستقلال صعب عام 1971م، وواجهت مجاعات وفقرًا مدقعًا، وكان يُنظر إليها بوصفها الدولة الفاشلة القادمة.

وكانت آليات التحول عبارة عن تمكين المرأة عن طريق التمويل الأصغر بقيادة منظمات أهلية مثل BRAC وGrameen Bank، وبرامج التعليم المجتمعي للنساء، ودمج المنظمات الدولية في إطار محلي. لم تُسند المشاريع إلى الأجانب بل نُفذت عن طريق المجتمع، مع التركيز على القطاع الزراعي والتقني لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وأصبحت بنغلاديش دولة ميسِّرة لا متدخلة؛ فالحكومة وضعت الإطار التنظيمي، وسهلت عمل المجتمع المدني ولم تكن تتدخل في كل شيء.

تعاونت الحكومة البنغلاديشية مع المنظمات الدولية ضمن خطة تنمية تقودها القواعد الشعبية، وأُنشئت قاعدة بيانات وطنية للفقر ما سهل توجيه المساعدات بدقة[58].

النتائج:

انخفضت نسبة الفقر من 60% إلى أقل من 24% خلال 20 عامًا، وأصبحت ثاني أكبر مصدر للملابس عالميًا بعد الصين، وتحسّنت مؤشرات الصحة والتعليم على الرغم من قلة الموارد[59].

الدروس المستفادة لليمن:

التركيز على رأس المال الاجتماعي المحلي أهم من ضخ الأموال فقط، فاعلية المنظمات ترتبط بقدرتها على التكيف مع البنية الثقافية للمجتمع. فلا تنمية دون استدامة مؤسسية وحوكمتها بحيث تكون مؤسسات محلية وفي نفس الوقت نزيهة[60].

3-6. (كولومبيا) التنمية رافعة للسلام

شَهِدت كولومبيا نزاعًا مسلحًا استمر أكثر من 50 عامًا بين الحكومة وقوات «فارك» الثورية، وانتهى باتفاق سلام في 2016م فتح الباب لتدخل دولي تنموي واسع.

وكانت آليات التحول عبارة عن دمج التنمية ضمن اتفاقيات السلام؛ فالتنمية لم تكن منفصلة عن المسار السياسي، فقد أُنشء برامج إعادة إدماج المقاتلين السابقين بدعم أممي، ركزت المنظمات الدولية على العدالة الانتقالية والتنمية الريفية، ومن ثم جرى اعتماد مقاربة «السلام عبر التنمية» وربط التنمية بالمصالحة المجتمعية، وكان التمويل الدولي مشروطًا بالمشاركة المجتمعية؛ فلا يُصرف الدعم إلا بتنفيذ مشاريع بمشاركة محلية فعلية حقيقية، وبدون مركزية، فالسلطات الحكومية تمنح السلطات المحلية مسؤوليات وموارد للقيام بدورها[61].

النتائج:

خمسمائة ألف شخص عادوا للحياة المدنية، تحسُّن مؤشر التنمية البشرية في المناطق الريفية لأول مرة، مما قلّل الفجوة بين المركز (عواصم المحافظات) والأطراف (القرى البعيدة)[62].

الدروس المستفادة لليمن:

  • السلام بدون تنمية هشّ، والتنمية بدون سلام لا معنى لها؛ فالتنمية ليست اقتصادية فقط، بل تتطلب بُعدًا تصالحيًا ومجتمعيًا، وخيار اللامركزية هو خيار إستراتيجي في بلد مثل اليمن بطبيعة جغرافية وقبلية المركَّبة، فإشراك المتأثرين بالنزاع في تصميم المشاريع يزيد من فعاليتها، ووجود قضاء نزيه يوازي أهمية التمويل التنموي[63].
  • تشير هذه التجارب إلى أن فاعلية المنظمات الدولية لا ترتبط فقط بقدراتها المالية أو التقنية، بل ترتبط بشكل مباشر بـ:
    • الإرادة السياسية الوطنية.
    • انخراط المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ.
    • وجود بنية مؤسسية تتبنّى الشفافية والمساءلة.

    وبمقارنتها بالحالة اليمنية يمكن القول إن هناك فرصًا حقيقية للاستفادة من هذه النماذج، شريطة تجاوز منطق الإغاثة المؤقتة والانتقال نحو تنمية شاملة متكاملة تقودها رؤية وطنية واضحة، لا سيما في ظل الرغبة السياسية للإصلاح[64].

    الدولة

    السمة المميزة

    ما يمكن الاستفادة منه في اليمن

    رواندا

    فرض السيادة على التمويل

    فرض إطار وطني للتنمية، يضبط تدخلات المانحين

    بنغلاديش

    تمكين المجتمع المحلي

    دعم المجالس المحلية، والمبادرات المجتمعية المحلية

    كولومبيا

    الدمج بين السلام والتنمية

    استخدام التنمية كوسيلة لتعزيز المصالحة الوطنية

  • يجب أن تُبنى الشراكة مع المنظمات الدولية ضمن رؤية يمنية متكاملة تستفيد من الدعم دون أن تنصاع له، وتُعزّز رأس المال الاجتماعي المحلي، مع ربط التنمية بالرؤية الإيمانية التي يتمتع بها الشعب اليمني.

النتائج العامة

أسفرت هذه الدراسة التحليلية المعمّقة حول الدور التنموي للمنظمات الدولية في اليمن عن جملة من النتائج المحورية التي تسهم في إثراء النقاش العلمي والسياسي حول الفاعلين الدوليين في البيئات الهشّة، ويمكن تلخيص أبرز هذه النتائج في النقاط الآتية:

  1. تحوّل نوعي في وظائف المنظمات الدولية: أظهرت الدراسة أن المنظمات الدولية لم تعد تقتصر على العمل الإغاثي أو الإنساني كما كان مألوفًا في المراحل الأولى من نشأتها، بل باتت فاعلًا رئيسًا في تصميم السياسات التنموية وتنفيذها، لا سيما في الدول التي تعاني من هشاشة مؤسسية وصراعات داخلية، وقد عكست الحالة اليمنية هذا التحول بوضوح؛ إذ مثّلت المنظمات الدولية طرفًا محوريًا في إعادة تشكيل المشهد التنموي في ظل انكفاء الدولة وضعف بنيتها التنظيمية والتمويلية.
  2. غياب الرؤية الوطنية الموحدة: تبيّن من تحليل الوثائق والمشاريع أن معظم التدخلات التنموية الدولية في اليمن تفتقر إلى إطار وطني ناظم وشامل، ما يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار المشاريع، فضلًا عن تضارب الأولويات بين الجهات المانحة والجهات المحلية، وهذا الانفصال بين المانح والمنفذ أضعف جدوى التدخلات وأسهم في تقويض استدامتها.
  3. إعادة إنتاج التبعية التنموية: كشفت الدراسة أن منطق التبعية لا يزال يحكم العلاقة بين اليمن والمنظمات الدولية؛ إذ ترتبط المساعدات بشروط إدارية أو سياسية، يجري تنفيذ المشاريع بمعزل عن البُنى المؤسسية الوطنية، وهو ما يجعل التنمية الدولية أداة ضغط أكثر من أنها شراكة حقيقية.
  4. قصور في التوطين المجتمعي للمشاريع: أظهرت النتائج أن كثيرًا من التدخلات لا تنبع من احتياجات المجتمعات المحلية، بل تُفرض من الخارج وفق تصورات جاهزة ومعدة مسبقًا. هذا الوضع يعكس هيمنة رمزية للمانحين الذين يعيدون تعريف أولويات المجتمعات في تجاهل لبنيتها الثقافية والاجتماعية.
  5. محدودية الأثر المستدام: على رغم الجهود المبذولة، فإن أغلب المشاريع التي تم تنفيذها تفتقر إلى خطط استدامة واضحة، وقد لوحظ أن أثر هذه المشاريع غالبًا ما ينتهي بانتهاء التمويل الخارجي، ما يضع علامة استفهام حول جدوى هذه المشاريع في بناء تنمية مستقلة مستدامة.
  6. عدم تكافؤ التوزيع الجغرافي للمشاريع: رصدت الدراسة تباينًا ملحوظًا في توزيع المشاريع التنموية على مستوى الجغرافيا اليمنية؛ إذ تتركز التدخلات في مناطق معينة بناءً على اعتبارات سياسية أو أمنية، مما يخلق فجوات داخلية ويغذي الانقسام الاجتماعي والجغرافي.
  7. ضعف البنية الرقابية والمؤسسية: أظهرت نتائج البحث أن ضعف الرقابة الحكومية وانعدام الشفافية في عقود الشراكة، وانعدام وجود قاعدة بيانات موحدة، أسهم في إضعاف القدرة على متابعة وتقييم فاعلية المشاريع الدولية، وأتاح للعديد من المنظمات العمل بعيدًا عن أعين الرقابة والمساءلة.
  8. تجاهل المرجعيات القيمية المحلية: غالبًا ما يجري تنفيذ المشاريع وفق نماذج معيارية غربية لا تراعي البُعد القيمي والثقافي والديني للمجتمع اليمني. وأكدت الدراسة أن استبعاد الرؤية القرآنية لمفهوم التنمية يجعل هذه المشاريع غير منسجمة مع وجدان المجتمع وهويته.

الخاتمة العامة للدراسة

في ختام هذه الدراسة يُمكن التأكيد أن المنظمات الدولية قد أدت دورًا متعاظمًا في المشهد التنموي اليمني، سواء من حيث حجم التمويل أم عدد المشاريع المنفذة أو اتساع نطاق عملها، إلا أن هذا الحضور، ورغم ضرورته في ظل الانهيار المؤسسي الذي خلفته الحرب، لم يخلُ من الإشكالات والتحديات البنيوية التي تحول دون تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

لقد أظهر التحليل أن الدور الدولي في كثير من حالاته كان مفعمًا بسوء نية، ومثقلًا بالمشروطيات، وغالبًا ما تصادم مع السياق المحلي، سواء من حيث المرجعية الفكرية أم آليات التنفيذ. إن استمرار هذا النمط من التدخلات يعيد إنتاج نفس المشكلات التي يدّعي معالجتها، بل قد يعمّق من اعتماد الدولة على الخارج ويقوّض فرص تشكيل مشروع تنموي مستقل.

كما أن افتقار هذه المشاريع إلى البُعد السيادي، وضعف التنسيق المؤسسي، وتهميش المجتمعات المحلية، كلها مؤشرات على قصور في فهم أعمق لمعنى التنمية في السياق اليمني، وبهذا يصبح من الضروري إعادة تعريف التنمية لا بوصفها تدخلًا خارجيًا، بل بوصفها وظيفة استخلافية تستند إلى قيم العدالة والتمكين والمشاركة.

لقد طرحت هذه الدراسة رؤية متكاملة لإعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج، تقوم على أن الشراكة التنموية الحقيقية لا تقوم على الإملاء، بل على التعاون الذي يحترم خصوصية المجتمعات ويعزّز من قدراتها الذاتية، فبدون سيادة معرفية وقيمية على المشروع التنموي، سيظل أي تدخل خارجي - حتى لو كانت نواياه حسنة - قاصرًا عن إحداث التغيير البنيوي المنشود.

النموذج المعرفي للدراسة

استند هذا البحث إلى نموذج معرفي تركيبي تكاملي يجمع بين:

  1. المنظور السوسيولوجي النقدي: اعتمدت الدراسة على نظريات التبعية والبنائية والشراكة لتحليل أدوار المنظمات الدولية في اليمن ضمن السياق البنيوي والاجتماعي، وكشفت كيف أن هذه الأدوار لا تُفهم بمعزل عن العلاقات السياسية والاقتصادية التي تحكم بنية النظام الدولي.
  2. المرجعية القرآنية الحضارية: جاءت هذه الدراسة بديلاً معرفيًا قيمياً للنموذج التنموي الغربي، يعتمد على مفهوم الاستخلاف والكرامة الإنسانية والتمكين الذاتي، وقد جرى دمج هذه الرؤية في تحليل السياسات وتقديم تصور جديد للتنمية بوصفه فعلًا حضاريًا لا مشروعًا تقنيًا.
  3. المنهج المقارن التحليلي: جرى توظيف تجارب دولية مثل رواندا وبنغلاديش وكولومبيا، لا كأمثلة نموذجية فقط، بل كدروس تطبيقية تستفيد منها الحالة اليمنية، مع التأكيد على التكييف السياقي بدلًا من الاستنساخ الميكانيكي.
  4. التداخل المنهجي (منهجيات متعددة): استخدمت الدراسة أدوات من المناهج الوصفية والتحليلية والمقارنة والنقدية، مما أتاح لها الإحاطة بالظاهرة من زوايا متعددة، وربط النظرية بالممارسة، والبُعد المحلي بالعالمي.

التوصيات البحثية

استنادًا إلى ما توصلت إليه الدراسة من نتائج وتحليل نقدي شامل، فإنها توصي بما يلي:

  1. وضع استراتيجية تنموية وطنية شاملة تقوم على دمج الجهود المحلية والدولية ضمن إطار مؤسسي وطني يضمن التنسيق والاستمرارية ويحفظ السيادة على القرار التنموي.
  2. مأسسة العلاقة مع المنظمات الدولية عن طريق توقيع اتفاقيات شراكة ملزمة تتضمن خطط تنفيذ واضحة وآليات تقييم ومتابعة دورية، وربط التمويل بالتنمية المستدامة لا بالمساعدات المؤقتة.
  3. إعادة بناء البنية الرقابية عبر تحديث التشريعات وتفعيل الأجهزة الرقابية، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تشمل كافة المشاريع الدولية.
  4. تفعيل الشراكة مع المجتمع المحلي عن طريق إشراك المجالس المحلية والمنظمات القاعدية والمجتمع المدني في تخطيط وتنفيذ وتقييم المشاريع.
  5. توطين التنمية وفق المرجعية الإسلامية، ينبغي اعتماد الرؤية القرآنية للتنمية بوصفها وظيفة استخلافية، مع التركيز على القيم القرآنية كالعدالة والتمكين والتكافل في صياغة المشاريع.
  6. تحويل التمويل من إغاثة إلى تنمية إنتاجية، ووضع حد للمساعدات قصيرة الأمد التي تولد الاعتمادية، والبدء في مشاريع إنتاجية تخلق وظائف مستدامة وتدعم الاقتصاد المحلي.
  7. احترام الخصوصية الثقافية والمجتمعية، وتصميم البرامج والمشاريع بعد دراسة معمقة للمجتمعات المحلية اليمنية وبالتشاور مع الفاعلين المحليين.
  8. ضمان الشفافية والتقييم الخارجي، عن طريق إجراء تقييمات مستقلة لمشاريع التنمية ونشر نتائجها للرأي العام المحلي بما يعزز من الثقة والمساءلة.
  9. تشجيع الدراسات النقدية في مجال التنمية الدولية، وإعادة النظر في المفاهيم السائدة عن طريق أطر معرفية من داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
  10. إطلاق منصات وطنية لتوثيق أثر المشاريع الدولية، توفر بيانات مفتوحة للباحثين وصناع القرار حول كفاءة فاعلية التدخلات الخارجية.
  11. التركيز على دراسات ما بعد النزاع، وإجراء دراسات مقارنة مع تجارب دولية مثل رواندا وكولومبيا من زاوية نقدية لا تكرارية.

بهذه النتائج والرؤية والتوصيات، يكون البحث قد قدّم إسهامًا معرفيًا وتطبيقيًا في مجال التنمية الدولية في الجمهورية اليمنية، وفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة المعقدة بين الخارج والداخل، بين التمويل والسيادة، وبين المعونة والتمكين، وما لم يُعَدْ تعريف التنمية من داخل المجتمعات المحلية، فإن كل مشاريع الخارج ستبقى، في أحسن الأحوال، حلولًا إسعافية لا مشاريع تحرر حضاري.

إخفاء المراجع

المراجع

  • نوري فضيل أمبارك رشوان، وعبد الهادي رمضان محمد، دور المنظمات الدولية في تطوير القانون الدولي وتنظيم المعاملات التجارية والاستثمارية الدولية، مجلة المختار للعلوم الاقتصادية 11، عدد 2 (2024م)، ص 12.
  • International Labour Organization (ILO). Decent Work and the Social and Solidarity Economy: Building a Common Understanding. Geneva: ILO, 2023, p 8.
  • مراد غالب حسين ناجي، دور المنظمات الدولية والمحلية في التنمية: دراسة ميدانية لدور المنظمات في اليمن - المعوقات وسبل التطوير، مجلة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 7، العدد 37 (2020م)، ص 33.
  • أحمد صالح محمد بلال، المساهمة التنموية لمنظمة العون المباشر ضمن أنشطة المنظمات الدولية غير الحكومية بإحدى دول الغرب الإفريقي: دراسة تحليلية خلال الفترة 2014–2024م، أم درمان: جامعة أم درمان الإسلامية، كلية الدراسات العليا، 2024م، ص 25.
  • نفس المرجع السابق، ص 29.
  • UNDP. HDP Nexus Reflections: Humanitarian-Development-Peace Nexus Approaches in Conflict and Disaster Settings. United Nations Development Programme, 2021, p. 2.
  • نوري رشوان، مرجع سابق، ص 10.
  • International Labour Organization (ILO), Ibid p 6.
  • مراد غالب حسين ناجي، مرجع سابق، ص 20.
  • الزهراني، عبد العزيز بن سعد، دور المنظمات غير الربحية في تحقيق التنمية الاجتماعية المستدامة بما يتوافق مع الرؤية الوطنية 2030م، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية العلوم الاجتماعية، 2020م، ص 27.
  • Frank, A. G, (1966), The Development of Underdevelopment Monthly Review Press, p 22.
  • Krasner, S.D, (1983). Structural Causes and Regime Consequences: Regimes as Intervening Variables. International Organization, 36(2), p 497.
  • Barnett, M & Finnemore, M (2004), Rules for the World: International Organizations in Global Politics, Cornell University Press, p 22.
  • Fowler, A, (1998), Authentic NGDO Partnerships in the New Policy Agenda. Development and Change, 29(1), p 139.
  • Barakat, S & Milton, S (2021), Localisation across the Humanitarian-Development-Peace Nexus, Journal of Peacebuilding & Development. https://doi.org/10.1177/15423166211041791
  • Al-Awlaqi, S, et al (2020), Yemen’s Triple Nexus: A Case Study of the Humanitarian, Development and Peace Interventions, ODI Working Paper. https://odi.org/en/publications/yemens-triple-nexus
  • Maxwell, D & Majid, N, (2016), Famine in Somalia: Competing Imperatives, Collective Failures, 2011–12, Oxford University Press.
  • Pavanello, S. Darcy, J. Haver, K. & Harmer, A. (2019), Development Actors and the Nexus: Lessons from Crises in Bangladesh, Cameroon and Somalia, HPG Report, ODI. https://odi.org/en/publications/development-actors-and-the-nexus-lessons-from-crises
  • Mallett, R., Hagen-Zanker, J., Slater, R., & Duvendack, M. (2015), The Effects of Cash Transfers on Community Dynamics in Fragile States, ODI Report. https://odi.org/en/publications/the-effects-of-cash-transfers-on-community-dynamics
  • مراد غالب حسين ناجي، مرجع سابق، ص 21 – 24.
  • Weiss, T. G., & Daws, S. (Eds.). (2007). The Oxford Handbook on the United Nations. Oxford University Press, p 28 - 33.
  • International Labour Organization (ILO), Ibid, p 12.
  • Stiglitz, J. E. (2002), Globalization and Its Discontents, W.W. Norton & Company, p 37 – 55.
  • UNDP, (2003), Human Development Report 2003: Millennium Development Goals: A Compact among Nations to End Human Poverty, New York: Oxford University Press, p 5 - 18.
  • United Nations, (2015), Transforming our world: the 2030 Agenda for Sustainable Development, A/RES/70/1, p 1 - 15.
  • Amin, Samir. (1989), Eurocentrism. Zed Books, p 104.
  • Stiglitz,J.(2002),Globalization and Its Discontents,W.W.Norton & Company, p 39.
  • Escobar, A. (1995), Encountering Development: The Making and Unmaking of the Third World, Princeton University Press, p 44.
  • Duffield, M. (2001), Global Governance and the New Wars: The Merging of Development and Security, Zed Books, p 15.
  • ثناء نجاتي عياش، بلاغة التمكين في القرآن الكريم، مجلة الدراسات القرآنية، جامعة لندن، المجلد 15، العدد 2 (2013م) ، ص 33.
  • إسماعيل الحسني، مفهوم الإصلاح في القرآن الكريم: دراسة في أسبابه ومظاهره، بيروت: مركز نماء للدراسات والبحوث، 2017م، ص 72.
  • أماني محمد بن محمد قليوبي، التمكين الاجتماعي للمرأة السعودية من منظور التربية الإسلامية، مجلة كلية التربية – جامعة أسيوط، 2023م، ص 49.
  • نوال بن عمارة، وعبد الحق بن تفات، الوقف الإسلامي ودوره في تحقيق التنمية المستدامة: تجربة جزائرية في تسيير الأوقاف، منشور إلكتروني، موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي، 2013م، ص 13–17.
  • United Nations Country Team (UNCT), Yemen UNCT Annual Report 2021, New York: United Nations, 2022, p. 6-8.
  • مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تحسين دور الأونكتاد وتعزيز أثره في التنمية، نيويورك: الأمم المتحدة، 2022م، ص 11-12.
  • مراد غالب حسين ناجي، مرجع سابق، ص 22.
  • نفس المرجع ، ص 6.
  • خديجة بوخرص، المنظمات الدولية غير الحكومية: بين الدور التنموي ومعيقات التفعيل، الجزائر: المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، العدد (5)، 2018م، ص 42-44.
  • أحمد الماوري وآخرون، المؤسسات والتنمية في الدول العربية: التحديات والفرص، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات ، 2024م، ص 122-123.
  • جميلة بن لسود، المنظمات الدولية ودورها في مكافحة الإرهاب، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 1، 2019م، ص 38-40.
  • برنامج الأغذية العالمي (WFP)، تقرير اليمن: الأمن الغذائي، روما: برنامج الأغذية العالمي، 2022م، ص 7-8.
  • صفاء الأعسم، المؤسسات الدولية ودورها في الاقتصاد العالمي، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2018م، ص 137-139.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تقرير التنمية البشرية في اليمن 2022م: تعزيز المرونة في بيئة الأزمات، نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2022م، ص 18–19.
  • برنامج الأغذية العالمي (WFP)، تقرير اليمن السنوي 2021م، روما: برنامج الأغذية العالمي،2022م، ص 5-10.
  • محمود محمد علي، دور المنظمات الدولية في تحقيق التنمية المستدامة ونظام اقتصادي دولي جديد، القاهرة: دار النهضة العربية، 2022م، ص 56-58.
  • مرجع سابق
  • Sarah Phillips, Yemen and the Politics of Permanent Crisis, London: Routledge, 2011, p. 145-146.
  • United Nations Development Programme (UNDP), Yemen Annual Report 2022, Sana’a: UNDP Yemen, 2023, p. 17–18.
  • United Nations Development Programme (UNDP), Ibid, 18.
  • GIZ, Case Study: Lahj Water Supply Project, (Berlin: GIZ, 2021), 13.
  • World Food Programme (WFP), Cash-for-Work Programs in Yemen (Rome: WFP, 2022), 41.
  • تقديرات الباحث بناء على UNDP، Yemen Annual Report 2022، ص 14.
  • GIZ, Case Study: Lahj Water Supply Project (Berlin: GIZ, 2021), 12–13.
  • World Food Programme (WFP), Cash-for-Work Programs in Yemen (Rome: WFP, 2022), 41
  • طارق ناصيف، رواندا: من الحرب الأهلية إلى التنمية الشاملة، المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، 2020، ص44-46.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «تحسين دور الأونكتاد وتعزيز أثره في التنمية» (2021)، 16.
  • طارق ناصيف، مرجع سابق، ص47-49.
  • Muhammad Yunus, Banker to the Poor: Micro-lending and the Battle Against World Poverty (New York: PublicAffairs, 1999), 79-114.
  • The World Bank, Bangladesh: Reducing Poverty and Sharing Prosperity, World Bank, 2020 https://www.worldbank.org/en/country/bangladesh/overview
  • David Lewis, Bangladesh: Politics, Economy and Civil Society (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), 181–208.
  • Nilsson, Desirée. “Anchoring the Peace: Civil Society Actors in Peace Accords and Durable Peace” International Interactions 38, no. 2 (2012): 243–266.
  • United Nations Development Programme (UNDP), Sustaining Peace and Development in Colombia: Lessons Learned, New York: UNDP, 2020.
  • World Bank, Pathways for Peace: Inclusive Approaches to Preventing Violent Conflict. Washington, DC: World Bank, 2018.
  • Paris, Roland. At War’s End: Building Peace After Civil Conflict, Cambridge: Cambridge University Press, 2004, 179–191.

إخفاء المراجع

المراجع