الاقتصاد السياسي في اليمن
دراسة تحليلية للعلاقة بين السياسة والاقتصاد في ظل التحديات الراهنة
لا تزال الصورة السائدة عن الاقتصاد اليمني غير مكتملة ومضلِّلة؛ إذ تُغفل كثير من التقديرات الخصائص الاجتماعية والاقتصادية القادرة على دعم نهضة تنموية إذا أُحسن استثمارها. ورغم امتلاك اليمن مقومات مهمة، فإن الحرب منذ عام 2015م أدّت إلى تدهور شامل تمثل في انخفاض العملة وارتفاع الأسعار وتفاقم الفقر والبطالة، ما أعاق المشاريع التنموية، خاصة في الزراعة والصيد والصناعة بوصفها ركائز للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، ويهدف البحث إلى تحليل العلاقة بين السياسة والاقتصاد في اليمن وتأثيراتها المختلفة، عبر دراسة التحديات التي تعيق صياغة سياسات فعّالة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مع اعتماد المنهج الوصفي التحليلي لفهم الواقع وبناء سيناريوهات تطويرية. وتوصل إلى أن الأزمة السياسية والانقسام المؤسسي أضعفا الأداء الاقتصادي وحوّلا الموارد إلى أدوات صراع، كما أسهم ضعف المؤسسات وغياب الحوكمة في توسّع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع الفقر والبطالة.
الكلمات المفتاحية: الاقتصاد السياسي، الاقتصاد، السياسة، التحديات الاقتصادية.
Abstract
The common image of Yemen’s economy remains incomplete and indeed misleading because most economic assessments ignore many of the social and economic particularities of Yemeni society, which, if adequately invested, could significantly contribute to economic and developmental advancement. Despite Yemen’s possession of significant economic assets, the war and conflict since 2015 have resulted in an unprecedented crisis and widespread deterioration. This has been manifested in the depreciation of the national currency, rising prices, and increasing poverty and unemployment, which have deepened the economic divide and hindered the implementation of development projects, particularly in the agriculture, fisheries, and industrial sectors, which form the foundation of food security and economic stability.
This research aims to analyze the relationship between politics and economics in Yemen and its local, regional, and international impacts by examining the key political and economic challenges that obstruct the formulation of effective policies to improve the economic and social situation. This study employed a descriptive-analytical method to analyze the current conditions and develop scenarios that support the progression of Yemen’s economy.
Keywords: Political economy, economy, politics, economic challenges.
لقد تجاهلت معظم التقديرات الاقتصادية الكثير من الخصائص عن المجتمع اليمني، سواء من الناحية الاجتماعية أم الاقتصادية، كما أن هناك بعض المبالغات حول بعض المؤشرات الاقتصادية من حيث أهمية النفط والغاز على الجانب الاقتصادي، فالمجتمع اليمني لديه الكثير من الخصائص الاقتصادية التي لو تُستثمر بالشكل المناسب سوف تُسهم في النهضة الاقتصادية والتنموية في اليمن.
وهذه الصورة غير الدقيقة للاقتصاد اليمني، تكوّنت لدى بعضهم بسبب تجاهلهم للسياق السياسي والتاريخي، وفهم الوضع السياسي والإداري في المجتمع اليمني، كما أن موقع اليمن الاستراتيجي المهم على مضيق باب المندب - الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن - جعلها محطَّ أنظار عدد من القوى الإقليمية والدولية؛ الأمر الذي أسهم في وقوف بعض من تلك الدول أمام أي نهضة اقتصادية في اليمن، وأدّى هذا التدخل المباشر وغير المباشر لتلك الدول إلى دخول اليمن في صراعات وحروب مستمرة نتيجة عدم الاستقرار السياسي للدولة اليمنية.
ولهذا يمرّ الاقتصاد اليمني حاليًا بأزمة غير مسبوقة نتيجة لتلك النزاعات السياسية؛ مما أدّى إلى تدهور شامل في جوانب الحياة كافة، وانهيار شبه حاد للاقتصاد، وتجلى ذلك في تدهور قيمة العملة المحلية، وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، وأسهم ذلك في معاناة المواطنين وتعميق الفجوة والتمايز الاقتصادي والاجتماعي بين السكان بسبب الفقر والبطالة. هذه الأوضاع أدّت إلى ضعف الخدمات الاجتماعية الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، واستنزاف الموارد المالية للدولة لعدم توريدها للخزينة العامة؛ مما عرقل تنفيذ المشاريع التنموية في المجتمع، والاهتمام بالقطاع الزراعي والسمكي والصناعي؛ لما لهذه القطاعات من تأثير في توفير الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي بالمجتمع، بدلًا من الاعتماد على الواردات من الخارج، والارتهان للسيطرة الخارجية على القرار السياسي والسيادة الوطنية.
على الرغم من التحسن الاقتصادي الذي شهدته اليمن بعد وضع أول خطة تنموية في أوائل السبعينات من القرن الماضي، لكن الاقتصاد عاد مرة أخرى إلى انكماش نتيجة لعدة تحديات داخلية وخارجية، ونتيجة لتلك الصراعات شهد اليمن واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية، ودخلت في نزاع مسلح منذ عام 2015م أثّر في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية؛ مما جعل البلاد تعيش حالة من الانقسام المؤسسي والتدهور الاقتصادي غير المسبوق؛ نظرًا لارتباط التوجهات والسياسات الاقتصادية بشكل مباشر بالواقع السياسي؛ لهذا فقد أصبح من الصعب الحديث عن قضايا اقتصادية دون أن تتأثّر بالجانب السياسي أو الأمني، وقد أفرز هذا الصراع تهتكًا للنسيج الاجتماعي، وظهور بعض النعرات المناطقية بين أفراد المجتمع الواحد، واستعانة بعضهم بدول الإقليم هروبًا من حل النزاع القائم من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية، متجاهلين الوطن الأم الحاضن للجميع، ولهذا فقد كان لتلك التدخلات الخارجية من قبل دول مختلفة، التأثير في السيادة الوطنية والاستقرار السياسي في البلاد.
كما كان للتحديات السياسية تأثير في الاقتصاد اليمني، وجعلت من الصعب على الحكومة اليمنية تنفيذ سياسات اقتصادية فعّالة، وكل هذا أثّر في الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأسهم أيضًا في تعثر الخطط التنموية، وتجسّد ذلك في عدم تنفيذ الخطة التنموية الرابعة، ولهذا لم تستطع الحكومة اليمنية بعد عام 2011م تنفيذ أي سياسات أو خطط تنموية اقتصادية فعّالة.
وقد ترتب على تلك الصراعات، وعدم تنفيذ السياسات والمخططات التنموية الفعّالة، زيادة معدلات الفقر والبطالة؛ إذ زادت معدل الفقر من 45% إلى 80% بين السكان، والبطالة من 30% إلى أكثر من 40% من مجموع القوى العاملة، بالإضافة إلى انعدام الأمن الغذائي؛ إذ ارتفع مؤشر الجوع العالمي (GHI) في اليمن من 37.8 عام 2008م إلى 45.1 عام 2022م[1]، وأشارت كتلة الأمن الغذائي والزارعة في اليمن - وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وتحليل الأشخاص ذوي الاحتياج في نوفمبر 2024م - إلا أن 17.1 مليونًا من السكان في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عام 2025م، ويمثلون 49% من السكان الذين يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي المتكامل IPC)[2]، ونجم عن هذه المعدلات الإحصائية المرتفعة عدد من التحديات الاقتصادية.
مما سبق يتبين أن تلك التحديات والمؤشرات الاقتصادية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالعامل السياسي؛ إذ أصبحت العلاقة بين السياسة والاقتصاد معقدة ومتشابكة، وبذلك أثّرت القرارات السياسية في النشاط الاقتصادي، كما أثّرت التحديات الاقتصادية في الاستقرار السياسي، ومن هذه العلاقة المعقدة تشكّلت التحديات الكبيرة أمام النهضة التنموية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن.
لذلك، فإن دراسة العلاقة بين السياسة والاقتصاد في اليمن، ومدى تأثير التحديات السياسية والاقتصادية في الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، تعد من القضايا الضرورية لفهم هذه العلاقة المعقدة، التي أصبحت بحاجة للدراسة والبحث، ومن هذه المشكلة جاء التساؤل الرئيس لهذا البحث، المتمثل في الآتي: ما العلاقة التبادلية بين السياسة والاقتصاد في المجتمع اليمني؟ وما تأثير الأزمة السياسية في الاستقرار الاقتصادي والسياسي في ظل التحديات الراهنة؟
ومن هذا التساؤل الرئيس تفرعت عدد من التساؤلات:
تمثلت أهمية هذا البحث في أنه يتناول موضوعًا مهمًا لا يزال الكثير من الباحثين والسياسيين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع مهتمين بالبحث حوله، ولهذا جاءت أهميته من أنه يربط بين السياسة والاقتصاد بشكل مباشر، ويوضح كيف يمكن للأزمات السياسية أن تُعيق التنمية الاقتصادية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، كما أنه يقدم إطارًا تحليليًا يساعد صانعي القرار والباحثين على فهم أعمق للتحديات الراهنة، واقتراح حلول وسياسات اقتصادية أكثر فاعلية قد تُسهم في إعادة التعافي للاقتصاد اليمني واستدامته، وكذا تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي في المجتمع اليمني.
يهدف هذا البحث إلى دراسة وتحليل العلاقة بين السياسة والاقتصاد في اليمن، وتأثيراتها في المستويات المحلية والإقليمية والدولية، عن طريق دراسة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه اليمن؛ من أجل فهم أعمق للعلاقة بين السياسة والاقتصاد، وتطوير سياسات فعّالة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. البحث سيتناول بالتفصيل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه اليمن، وسيقدّم توصيات بنّاءة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ولهذا تمثلت الأهداف في الآتي:
اعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي (Descriptive-Analytical Method)؛ لأنه المنهج المناسب في تناول هذا الموضوع، كما اعتمد الباحث على المصادر والمراجع الأكاديمية والمواد المنشورة في المجلات العلمية والكتب.
تحليل البيانات: استخدام البيانات الاقتصادية والسياسية لتحليل العلاقة بين السياسة والاقتصاد في اليمن.
الحدود الموضوعية: يُركز البحث على تحليل العلاقة التفاعلية بين السياسة والاقتصاد.
الحدود المكانية: يشمل التحليل جميع المحافظات اليمنية.
الحدود الزمنية: يغطي البحث المدة من عام 2015م حتى عام 2025م.
مفهوم الاقتصاد السياسي
يُعرَّف الاقتصاد السياسي بالإنجليزية (Political Economy)، ويُطلق عليه باللغة الفرنسية (économie politique)، وقد انتشر هذا المصطلح في الأدبيات الإسلامية بالاقتصاد الإسلامي، وهو ما أُطلق عليه في التراث الإسلامي، لا سيما من قبل العلامة ابن خلدون في المقدمة، بمصطلح (المعاش)، ولهذا يُعرف الاقتصاد السياسي أنه العلم الذي يدرس التفاعل المتبادل بين العوامل الاقتصادية والسياسية، وكيفية تأثير السياسات الحكومية والمؤسسات السياسية في النشاط الاقتصادي، وأنه كذلك انعكاس للأوضاع الاقتصادية على الاستقرار السياسي وصنع القرار، كما يُقصد بالاقتصاد السياسي أنه دراسة البشرية في ممارسة شؤون حياتها العادية[3]، كما يتضمن الاقتصاد السياسي دراسة كيفية تطبيق النظريات الاقتصادية في العالم الحقيقي؛ إذ غالبًا ما تتغير السياسة الاقتصادية بسبب أيديولوجية وأهداف الحزب السياسي أو النظام السياسي الموجود في السلطة.
وقد تعزز بروز هذا المفهوم منذ القرن الثامن عشر مع كتابات آدم سميث وديفيد ريكاردو؛ ليتطور لاحقًا في إطار المدرسة الكلاسيكية والحديثة؛ إذ عرفه آدم سميث أنه (ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الوسائل التي يمكن أن تزيد من ثروة الأمم)، بينما يعرف ألفرد مارشال الاقتصاد أنه العلم الذي يهتم (بدراسة سلوك الإنسان في حياته اليومية فيما يتعلق بإنتاج الثروة وتبادلها وإنفاقها)، بينما يرى آخرون أن علم الاقتصاد هو العلم الذي يدرس السلوك الإنساني، معبرًا عن العلاقة بين الأهداف والوسائل النادرة ذات الاستخدام المختلف أو البديل، «كما أوضحه روبنز»، وعرفه سامو يلسون أنه (دراسة الكيفية التي يختار بها الأفراد والمجتمع الطريقة التي يستخدمون بها مواردهم الإنتاجية النادرة؛ لإنتاج مختلف السلع على مختلف الأفراد والجماعات في المجتمع؛ بغرض الاستهلاك الحاضر والمستقبل)، ومن هذه التعريفات يمكننا في هذا البحث أن نخرج منها بتعريف عام، تعريف إجرائي للاقتصاد السياسي أنه: العلم الذي يعالج المشكلة الاقتصادية، المتمثلة في كيفية استغلال الموارد المحدودة (النادرة نسبيًا)؛ من أجل تلبية حاجات الأفراد غير المنتهية، ولهذا نجد من التعريف الإجرائي أن هناك علاقة تداخلية وقوية بين السياسة والاقتصاد، حتى ظلّ يُقال مدة طويلة من الزمن: إن الاقتصاد كان يُعرف باسم الاقتصاد السياسي، كما يؤكد بعض الباحثين أن الاقتصاد السياسي يمثل مدخلًا لفهم قضايا التنمية، الصراع، توزيع الموارد، العدالة الاجتماعية، خصوصًا في الدول الهشّة والمتأثّرة بالنزاعات، ولهذا يمكن القول: إن الاقتصاد لا يمكن له إلا أن يوصي بسياسة اقتصادية ما، ويظل هو المسؤول وصاحب اتخاذ القرار المناسب.
هناك علاقة جدلية بين السياسة والاقتصاد، ولا يمكن الفصل بينهما، فالسياسة تؤثر في الاقتصاد عن طريق القرارات التي يجري اتخاذها من قبل الساسة، لا سيما فيما يتعلق بالتجارة، وقضايا الإنفاق العام، وإدارة الموارد، والضرائب وغيرها، وكذلك تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى إضعاف شرعية السياسي والحكومات الممثلة له، ونتيجة لتلك العلاقة تدخل الدول التي تعاني من النزاعات والصرعات السياسية في أزمة اقتصادية، وفي حالة عدم الحد أو التخفيف من تلك الأزمات الاقتصادية من قبل الساسة، تؤدي بشكل مباشر إلى تغذية الصراع واستمرار الانقسام السياسي وانعدام الأمن والاستقرار في المجتمع.
ويرى هنتجتون في كتابه «النظام السياسي في تغيير المجتمعات» أن النظام السياسي الحديث لا يتطلب درجة عالية من المشاركة السياسية فقط، ولكن يتطلب مستوى عاليًا من «المأسسة» السياسية وتنظيم السياسة[4].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قضية النمو الاقتصادي احتلت مكانًا مهمًا في النظرية الاقتصادية، وشغلت الكثير من رجال الساسة والباحثين؛ إذ ارتبط النمو الاقتصادي بدور الدولة ومسؤوليتها في الميدان الاقتصادي؛ لأنها المسؤولة في هذا المجال، بعكس ما كان عليه التصور السابق بأن الدولة تقتصر مسؤوليتها على توفير الشروط المناسبة لأداء السوق، سواء فيما يتعلق بتوفير الأمن والاستقرار أم بشروط السلامة المالية والنقدية في حماية قيمة النقد، أم بالشروط القانونية المناسبة لعمل السوق، وتقديم الخدمات الأساسية للمجتمع، وهذا ما قامت به الكثير من الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد ما مُنيت به أوروبا واليابان من الحرب العالمية الثانية من تدمير لبنيتها التحتية الأساسية التي دُمّرت بشكل كامل، وكان لحجم هذا الدمار الكبير الذي أصاب دولًا مثل ألمانيا واليابان أثر كبير؛ إذ هدمت معظم صناعاتها، ولهذا فقد واجهت هذه الدول مشكلة إعادة الإعمار وبناء قدرتها الاقتصادية؛ لكي تواصل نهضتها من جديد بعد الحرب، بعكس الولايات المتحدة التي لم يكن اقتصادها مهددًا ولم تعانِ من مشاكل إعادة الإعمار، بل خرجت باقتصاد قوي. وحتى تضمن أمريكا فتح الأسواق العالمية لسلعها - لا سيما في أوروبا - قامت بمشروع مارشال للدفع بالنمو الاقتصادي للدول الأوروبية الست عشرة، وتوفير الاستقرار المالي لها، وقد جاء هذا المشروع لمساعدة أوروبا تحت اسم قانون «الإنعاش الأوروبي»، وأُنشئت إدارة التعاون الاقتصادي في الإدارة الأمريكية لتنفيذ هذا البرنامج، كما جاء هذا المشروع بموافقة من الكونجرس الأمريكي؛ نظرًا للتطورات السياسية التي حدثت في تلك المدة، التي بدا فيها الاستقطاب للدول بين العالم الاشتراكي والشيوعي، الذي أخذ بالاقتصاد الموجه من قبل الدولة؛ إذ يهدف الاقتصاد الاشتراكي إلى سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والقضاء على قدرة الأفراد أو الجماعات على السيطرة على أغلبية السلطة والثروة، وفي هذا النظام السياسي فعّلت الدولة الرقابة على الأسعار للسلع الرئيسة، وعملت على تحويل المزارع الفلاحية الصغيرة المبعثرة هنا وهناك إلى مزارع ضخمة موحدة، تعتمد على الزراعة المشتركة للأرض للانتقال إلى الزراعة التعاونية، واستثمرت في قطاعات اقتصادية محددة، ودعمت الإنتاج لبضائع محددة، مقابل الدول التي اتخذت النهج الليبرالي في اقتصاد السوق، وهو ما أطلق عليه من قبل أمريكا بالعالم الحر.
وبهذا، تمكنت أوروبا بعد عام 1951م من استعادة قدرتها الإنتاجية، وضبط مخاطر التضخم، وعودة التجارة الحرة بين الدول الأوروبية، كما تمكنت من الأخذ بسياسات حرية التجارة متعددة الأطراف، وتحرير القيود على انتقال رؤوس الأموال، والأخذ بقابلية العملات للتحويل، وهي أمور قد خُطِّط لها من قبل دول الحلفاء عند وضعهم لأُسُس النظام الاقتصادي الدولي الجديد مع اتفاقية بريتون وودز عام 1944م.
وقد أرست المنظمة الأوروبية التعاون الاقتصادي بين الدول الأوروبية، ورسمت معالم للسياسات الاقتصادية لتحقيق النمو الاقتصادي[5].
لقد تمكن الاقتصاد الغربي من الخروج من أزمة التضخم وارتفاع أسعار النفط بعد حرب 1973م، بفضل دور الدولة وما اتخذته الحكومات والشركات من تدابير، مثل زيادة الإنتاج من مصادر الطاقة الأخرى، وتشجيع تقنيات توفير الطاقة، ولكن مع بداية الثمانينيات بدأت النيوليبرالية بتقويض دور الدولة وحررت الأسواق، وبرز ذلك بشكل علني في خطاب رونالد ريجن عام 1981م، مؤكدًا ترسيخ الفكر النيوليبرالي بقوله: «الحكومة ليست حلًا لمشكلاتنا، الحكومة هي المشكلة»[6].
ولكن عندما حدثت الأزمة المالية عام 2008م، ضخَّت الدول الغربية تريليونات من الدولارات للتخفيف من حدّة الأزمة، وتكرر ذلك بعد جائحة كرونا في 2019-2020م، ويعود ذلك إلى الاختلافات التي توجد في المدارس الليبرالية؛ إذ ترى الليبرالية المنظمة ضرورة أن تقوم الدولة بإيجاد بيئة قانونية ملائمة للاقتصاد.
ونتيجة للتغيرات التي حدثت في النظام الاقتصادي العالمي بعد مدة التسعينيات من القرن الماضي، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وسيادة العولمة، التي تضررت منها الكثير من اقتصاديات الدول النامية التي لم تكن مستعدة اقتصاديًا لذلك، وعلى الرغم من ذلك بدأت بعض الدول تتكيّف مع العولمة مثل الصين، وقد كان لهذا التحول البراغماتي للاقتصاد الصيني أن الدولة صارت هي المسؤولة عن التنظيم للرأسمالية، وليس السوق كما هو عليه الحال في الدول الغربية، ونتيجة لذلك صارت نيوليبرالية الدولة تزاحم نيوليبرالية السوق على مركزية النظام الرأسمالي.
ومع مدة رئاسة ترمب الثانية للولايات المتحدة، والقرارات التي اتخذها بفرض الرسوم الجمركية ورفعها إلى نسب مئوية كبيرة على عدد من الدول - وهو بذلك كان يقصد الصين بشكل رئيس - تُعد مثل هذه القرارات نهايةً لعصر العولمة الاقتصادية التي كانت تتغنّى بها الليبرالية الغربية، وهذا مّا سوف يؤدّي إلى تغيّر النظام السياسي أحاديّ القطب إلى عالمٍ متعدد الأقطاب، وهي بداية لنهاية الهيمنة السياسية والاقتصادية الأمريكية على العالم.
وقد أدَّى ذلك إلى بروز تكتلات اقتصادية إقليمية ودولية موازية لمواجهة هذه الهيمنة، مثل ما بدأت به دول البريكس التي عملت على انضمام الكثير من الدول ضمن هذا المكوّن الجديد، كما سيشجّع على قيام اقتصادات إقليمية أخرى في أمريكا الجنوبية وآسيا، وكذا اليمن مع دول القرن الإفريقي ودول الخليج، أو إعادة التفكير في الوحدة الاقتصادية العربية والإسلامية.
كما أن هناك عدة تجارب اقتصادية تنموية للكثير من دول العالم بشكل مستقل، التي تمكنت من تحقيق نمو اقتصادي في بلدانها مثل سنغافورة، وإندونيسيا، والصين، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، والهند، وألمانيا؛ إذ حققت هذه الدول - عن طريق أخذها بالاقتصادي السياسي - هذا النمو الاقتصادي في بلدانها.
هناك بعض الدول تمكنت بفضل السياسات التي مارستها هذه الدول من تحقيق نمو اقتصادي خلال مدد زمنية وجيزة، ومن هذه الدول كوريا الجنوبية والصين، وسنغافورة وألمانيا، وسوف نقتصر في بحثنا هذا على عرض كل من التجربة السنغافورية والتجربة الألمانية.
ظلّت سنغافورة تحت احتلال بريطانيا أكثر من قرن، وفي أغسطس من العام 1963م انتهت الوصاية البريطانية عليها، وكان اقتصادها يعتمد على تجارة السلع العابرة أو الترانزيت، وهذا النوع من الاقتصاد لم يمكّنها من خلق فرص عمل كافية، ولهذا خرجت من الاستعمار، وهي دولة فقيرة تنتشر فيها البطالة والفقر، وتعاني من عدة مشكلات اقتصادية؛ إذ كان دخل الفرد 320 دولارًا، وعلى الرغم من التحديات الكثيرة التي كانت تعاني منها، لا سيما في ظل عدم توافر المعادن فيها، إلا أنها قامت بعمل خطط تنموية، واهتمت بالتعليم واستثمرت فيه بشكل كبير، وانضمت بعدها إلى اتحاد ماليزيا، لكن هذا الاندماج لم يستمر نتيجة للصراع بين الأعراق، وتزايدت أعمال العنف نتيجة للتفاوت العددي الكبير بين الصينيين والملايو، ولهذا لم يدم الاندماج طويلًا؛ إذ شهدت السنوات القليلة للاندماج صراعات اجتماعية عميقة بين المجموعتين العرقيتين الرئيستين، وأدّى إلى تصاعد حدة التوتر وتزايد أعمال الشغب والعنف، مما أدّى بالبرلمان الماليزي إلى فصل سنغافورة عن الاتحاد، وحصلت سنغافورة على استقلالها في التاسع من أغسطس عام 1965م، وخرجت وهي تعاني من نقص حاد في الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى مشاكل كبيرة في البنية التحتية، والصرف الصحي، وإمدادات المياه؛ فناشدت المجتمع الدولي بمساعدتها على التنمية، لكن لم تلقَ استجابة سريعة، مما جعلها تواجه كل هذه التحديات عن طريق وضع خطة شاملة للتنمية الصناعية، مع التركيز على القطاعات التي تتطلب كثافة في العمالة.
وبما أن سنغافورة لم تكن تمتلك قاعدة صناعية راسخة؛ لأن أغلب القوة العاملة فيها يعملون في مجالات التجارة والخدمات، ولهذا لم يكن لدى السكان المهارات والخبرات اللازمة للانتقال إلى العمل في الصناعات التحويلية.
وأمام هذا التحدي قررت الحكومة السنغافورية بالانخراط في الاقتصاد العالمي لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي من شأنها أن تُسهم في تحقيق التنمية الصناعية في البلاد، ولتحقيق ذلك عملت الحكومة المركزية على توفير بيئة استثمارية جاذبة، تتميز بالأمان والاستقرار، وخلوّها من الفساد، مع إرساء نظام ضريبي تنافسي لتجذب الاستثمارات الأجنبية، ولإنجاح هذه السياسة اتخذت الحكومة إجراءات صارمة لمكافحة الجريمة، لا سيما تجارة المخدرات والفساد، وصلت إلى حد تطبيق عقوبة الإعدام على مرتكبي هذه الجرائم، كما وضعت الحكومة النقابات العمالية المستقلة تحت سيطرتها المباشرة، وأخضعت المعارضين للوحدة الوطنية أو السياسية لإجراءات قانونية سريعة وحازمة، وأثبتت هذه السياسات جدواها في جذب الاستثمارات الأجنبية؛ نتيجة لتوفيرها بيئة قانونية مستقرة وقوانين تجارية مشجعة.
ونتيجة لذلك، كان ربع شركات التصنيع في البلاد إمّا مملوكة بالكامل لأجانب أو ترتبط بشراكات دولية.
وقد أسهم هذا المناخ الاستثماري المستقر والتوسع الاقتصادي العالمي في تحقيق نمو اقتصادي قوي، تجلّى في ارتفاع معدلات النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي، ونتيجة لتدفّق الاستثمارات الأجنبية، انطلقت سنغافورة في رحلة متكاملة لتطوير بنيتها التحتية ورأس مالها البشري، كما أولت الحكومة التعليم اهتمامًا كبيرًا، لا سيما للتعليم الفني والتدريب المهني؛ إذ أنشأت عددًا من المعاهد المتخصصة، وشجّعت الشركات العالمية على تدريب القوى العاملة المحلية في مجالات حيوية، مثل تكنولوجيا المعلومات والبتروكيماويات والإلكترونيات.
أمّا بالنسبة لمن لم يتمكنوا من الاندماج في القطاع الصناعي، فقد وجهتهم الحكومة نحو قطاعات الخدمات التي تتطلب كثافة عاملة، مثل السياحة والنقل.
وبهذا حققت هذه الاستراتيجية الذكية في تدريب القوى العاملة، بالتعاون مع الشركات المتعددة الجنسيات، نجاحًا كبيرًا؛ إذ حققت البلاد قفزات نوعية في مجال الصناعة؛ ففي السبعينيات كانت صادرات سنغافورة تتركز في المنتجات التقليدية، مثل المنسوجات والملابس والإلكترونيات البسيطة، ولكن بحلول التسعينيات تحولت إلى قوة صناعية عظمى، حيث تصدرت الرقائق الإلكترونية المتطورة والخدمات اللوجستية المتكاملة.
وبهذا تميزت سنغافورة باستقرارها السياسي والاقتصادي أفضل من معظم الدول المجاورة لها، كما كان لموقعها الاستراتيجي ونظام موانئها المتطور؛ مما جعلها مركزًا تجاريًا وصناعيًا جذابًا.
وتحولت سنغافورة اليوم إلى نموذج للدولة الصناعية المتقدمة؛ إذ لا تزال التجارة الدولية تشكل عصب اقتصادها النابض، وتمكن ميناء سنغافورة من تصدر قائمة أكثر موانئ الحاويات ازدحامًا على مستوى العالم، متفوقًا على هونغ كونغ وروتردام، كما أنه يحتل المركز الثاني عالميًا من حيث إجمالي حجم الشحن، بعد ميناء شنغهاي الصيني، كما شهد القطاع المصرفي نموًا متسارعًا في الآونة الأخيرة؛ مما دفع عدد من المؤسسات المالية إلى نقل أصولها الاستثمارية من سويسرا إلى سنغافورة هربًا من الضرائب الجديدة المفروضة على الأجانب.
ونتيجة لتلك السياسة حققت سنغافورة إنجازًا اقتصاديًا كبيرًا على رغم صغر مساحتها البالغ 734 كيلومترًا مربعًا، وقوة عاملة لا تتعدى 3 ملايين نسمة، لكن تجاوز ناتجها المحلي الإجمالي حاجز الـ 500 مليار دولار، متفوقة بذلك على معظم دول العالم.
هذا النمو الاقتصادي الاستثنائي لسنغافورة جعلها تحتل مكانة بين الاقتصادات العالمية؛ إذ ارتفع نصيب الفرد من دخلها القومي الإجمالي ليتخطى 141 ألف دولار أمريكي في 2023م؛ مما يجعلها واحدة من أغنى دول العالم، إلى جانب متوسط عمر للفرد يصل إلى 83 عامًا، هذا كله جعل من سنغافورة نموذجًا عالميًا في التنمية البشرية، وهي الآن من ضمن الدول العشر الغنية في العالم، وتعد هذه التحولات الاقتصادية المذهلة - التي حققتها دولة تفتقر إلى الموارد الطبيعية - إنجازًا استثنائيًا يستحق الدراسة والتحليل.
وهذه التجربة تمثل قصة نجاحًا لسنغافورة، وأن قوة التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي والحوكمة الفعّالة، وإعطاء الأولوية للاستقرار والأمن ومناخ الاستثمار الجذاب، تدل على أن سنغافورة تمكنت من التغلب على عيوبها الأولية، وتحقيق نمو سريع.
لقد استندت التجربة الألمانية في الإصلاحات الاقتصادية على الذات ولم تستورد أي تجربة، وهذا هو سر نجاحها؛ إذ تمكنت منذ عهد زعيمها بسمارك الذي عمل على توحيد ألمانيا التي كانت عبارة عن مقاطعات صغيرة يقع أغلبها تحت سيطرة إمبراطورية النمسا، وشهدت ألمانيا بعد ذلك حراكًا في مختلف الميادين الفكرية والعلمية والصناعية والفنية وغيرها، كما اعتمدت على نظام تعليمي متقدم، بالإضافة إلى ما قامت به من تأهيل وتدريب للكوادر والعمال بالخبرات والمهارات المختلفة، وبهذا تمكن بسمارك من تحويل ألمانيا إلى دولة قوية في أوروبا، ولكن بعد خسارتها في الحربين الأولى والثانية أسهم ذلك في تراجع اقتصادها، وتقسيمها من قبل الحلفاء إلى قسمين: ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية؛ إذ انتهجت الشرقية الاقتصاد الاشتراكي الذي يعتمد على التخطيط الموجّه من قبل الدولة، واعتمدت الدول الغربية على نظام اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي يهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية العمل والنشاط الاقتصادي من جهة، وبين العدالة الاجتماعية من جهة أخرى. كما استفادت ألمانيا الغربية من مشروع مارشال، وتفوقت في عملية الإنتاج الصناعي على الكثير من الدول، وبعد انهيار جدار برلين توحدت ألمانيا في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وصار نظامها السياسي اتحاديًا فيدراليًا، ويتخذ شكلًا جمهوريًا برلمانيًا ديمقراطيًا، وعلى الرغم من الاختلاف الاقتصادي بين البلدين، إلا أنها تمكنت من تجاوز الكثير من التحديات التي واجهتها داخليًا وخارجيًا؛ إذ اعتمدت على تطوير علاقاتها الدولية مع دول العالم كافة، وعلى الرغم من أنها حاليًا تعتمد على النظام الاقتصادي الحر، إلا أنها ما زالت تركز على الاقتصاد الاجتماعي الذي يعتمد على الرأسمالية الجماعية.
وبفضل هذه السياسة تمكنت ألمانيا من أن تصبح ثالث أكبر دولة مصدِّرة في العالم اليوم؛ إذ حققت صادراتها من السيارات وقطع غيارها، والمنتجات الكيميائية تحديدًا، نموًا كبيرًا قدره 30% من الناتج المحلي، وتُعد الشركات متوسطة الحجم هي الأكثر مساهمة؛ إذ تُشكل أكثر من 99% من إجمالي الشركات في ألمانيا، وتؤدي دورًا حيويًا في الاقتصاد، بينما يمثل قطاع الخدمات، الحصة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بنسبة 70%، ويشمل الخدمات المالية والمصرفية والتأمين والتجارة والتكنولوجيا.
ومن تلك التجارب الاقتصادية السابق ذكرها يمكننا في اليمن أن نستفيد منها في بناء اقتصاد يمني قوي، مع مراعاة الخصوصية التي يتسم بها مجتمعنا اليمني، فاليمن قد مر بعدة خطط تنموية منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كما قام بثلاث خطط تنموية بعد قيام الوحدة، ولكن بعد دخوله في مرحلة الصراع والحرب منذ عام 2015م لم تُنفذ أي خطط تنموية، ولهذا لجأت الحكومة إلى خطط مرحلية، وهذا مما تسبب في تراجع الكثير من المؤشرات التنموية، وصاحب ذلك تراجع في نمو الاقتصاد بعد تلك المدة.
وقد سعت الحكومة مؤخرًا - على الرغم من التحديات الكثيرة التي لا تزال تواجها - إلى استغلال نقاط القوة النسبية التي يتمتع بها اليمن في البنية التحتية مثل الزراعة، وكذا الاستفادة من التحويلات المالية للمغتربين اليمنيين، وتحويل الفرص المتوافرة كافة؛ من أجل النهوض بالاقتصاد اليمني.
تُعدّ اليمن من ضمن الدول التي لا يزال اقتصادها مرتبطًا بشكل كبير بالنظام الاقتصادي للدولة الريعية (Rentier State)، التي تتأثّر ببعض الموارد الريعية التي تمتلكها، مثل عوائد النفط أو الغاز أو الموارد الطبيعية الأخرى، وهذا النمط من الاقتصاد يؤثر في طبيعة الحكم، وهو ما ينطبق جزئيًا على الدولة اليمنية في مرحلة ما قبل الحرب، التي كانت تعتمد بنسبة تصل إلى أكثر من 70% على عوائد النفط والغاز في رفد ميزانية الدولة، كما كان للتحويلات المالية من قبل المغتربين الأثر الكبير في دعم ميزان المدفوعات وتوفير العملة الأجنبية.
أمّا في مدة ما بعد الحرب، ونتيجة للصراع السياسي، تراجعت صادرات النفط والغاز بشكل كبير حتى وصل الأمر إلى منع التصدير، وكذا تراجع الإنتاج الزراعي والسمكي، ولم يتبقَ من الدعم سوى التحويلات المالية وبعض المساعدات الإنمائية والإنسانية، وهذا ما أدخل البلد في أزمة اقتصادية، نجم عنها عدم قدرة الحكومة على صرف مرتبات الموظفين؛ الأمر الذي أسهم في زيادة معدلات الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي لدى نصف السكان[9]، ولهذا، كثيرًا ما يُشار إلى اليمن من قبل التقارير الدولية على أنه أحد أفقر البلدان في العالم العربي أو أفقر البلدان في الدول النامية، وهذه صورة قياسية عن اليمن من الخارج؛ إذ ركزت على نقاط الضعف السائدة، وذلك لغرض البحث وجلب المزيد من الدعم والمساعدات الدولية لليمن، ولكنها لم تركز على نقاط القوة والفرص التي يتمتع بها الاقتصاد والمجتمع اليمني.
ولهذا استفادت الحكومات المتصارعة، سواء تلك التي يُطلق عليها بالحكومة الشرعية أم الأخرى التي يُطلق عليها حكومة الأمر الواقع، من الاعتماد على الدعم والمساعدات الدولية خلال مدة الصراع، بالإضافة إلى ما يمكن أن نسميه في نظرية الاقتصاد السياسي للنزاعات في إدارتها للعملية الاقتصادية؛ إذ تمكنت كلتا الحكومتين من السيطرة على الموارد، وفرض الضرائب غير الرسمية، وخلق اقتصاد بديل لتسيير شؤونها الاقتصادية، وقد كان لهذا الانقسام المؤسسي والتدخلات الخارجية تعميق للأزمة الاقتصادية السياسية وأضعف المؤسسات السياسية في المجتمع اليمني، وأسهم ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر في تدهور الأداء الاقتصادي.
ونتيجة لهذا الوضع الراهن الذي تمر به اليمن، وما تسببه ذلك من زيادة المعاناة وتدني مستوى العيش لليمنيين وتدهور الاقتصاد، والانكماش الاقتصادي، يتطلب إيجاد سياسة اقتصادية صارمة، والاستفادة من نقاط القوة التي تتمتع بها اليمن، وتحويل تلك الفرص المتوافرة، وتجاوز التهديدات؛ من أجل التخفيف من التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني، ثم الانتقال به إلى مرحلة التعافي والاستثمار في قطاع الزراعة والصناعة للوصول إلى نهضة اقتصادية تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، والاستغناء عن الواردات للسلع التي يمكن إنتاجها في الداخل؛ إذ تعتمد اليمن بشكل كبير على استيراد الحبوب والمنتجات الغذائية والمواد الكيميائية والآلات؛ لذا، فالاستغناء عن استيراد الحبوب والمنتجات الغذائية خطوة أولى سوف يشجع المزارعين والمستثمرين في إنتاجها محليًا، وهذا بدوره سيسهم في زيادة الصناعات الغذائية محليًا، وزيادة الصادرات من البُن والأسماك والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، والاستفادة من 40% صادرات النفط والغاز في دعم الاستثمارات في تلك القطاعات؛ من أجل الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة من تلك الموارد الناضبة بدلًا من الهدر الذي كان يحدث سابقًا لها.
وفيما يلي سيجري عرض بعض المحاور التي من شأنها أن توضح لنا المؤشرات الاقتصادية التي تضررت نتيجة الأزمة السياسية، وكذا التعرض للانقسام السياسي والمؤسسي في تعميق الأزمة الاقتصادية في اليمن، بالإضافة إلى دور العوامل الخارجية (الإقليمية والدولية) في تشكيل الاقتصاد السياسي لليمن؛ من أجل الخروج بالسيناريوهات المستقبلية المتوقعة للاقتصاد اليمني في ضوء الأوضاع السياسية الراهنة.
لقد أسهمت مُجمل الظروف التي أحاطت باليمن على الصعيد السياسي والاقتصادي - بما فيها الدخول في دائرة الأزمة منذ العام 2015م وما نتج عنها من حرب على اليمن - في حدوث نتائج كارثية على الاقتصاد اليمني، وعملت على إضعاف قدراته الإنتاجية، وبددت طاقاته المادية والمالية والبشرية، وقد زاد الانقسام السياسي والمؤسسي في عدم الاستقرار، ويعود ذلك لاختلاف وجهات النظر والسياسات بين الفئات المتصارعة، وهذا أدّى إلى ضعف القدرة من قبل الحكومة والمؤسسات الاقتصادية على اتخاذ القرارات الفعّالة، وأثّر ذلك بشكل مباشر وغير مباشر في الاستثمار والاقتصاد في اليمن، ونتج عن ذلك الانقسام السياسي والمؤسسي زيادة الفقر والبطالة بين أفراد المجتمع، وانخفاض النمو الاقتصادي، وزيادة العجز في الميزانية العامة، وتأثير كل ذلك في الأوضاع المعيشية للسكان في المجتمع اليمني.
في بلد يعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى معاناة الناس من فقدان سبل العيش بشكل جماعي جراء الصراع، رفعت هذه الاتجاهات الاقتصادية أسعار الغذاء والوقود والسلع والخدمات الأساسية الأخرى إلى مستويات ليست في متناول معظم السكان[10].
ومع حالة الانقسام المؤسسي في المؤسسات، فإن الإحصاءات تظل غير مكتملة، كما تخضع بعضها للتقدير، وهي إحدى التحديات الإحصائية التي لا تسمح بدراسة حالة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بصورة دقيقة، ويمكن الاستدلال على المؤشرات التي تضررت نتيجة الأزمة السياسية بواسطة بيانات صندوق النقد الدولي، وتقارير المنظمات الدولية الموثوقة، بما يعطي صورة عامة عن تطور حالة هذه المؤشرات لعام 2025م مقارنة بما كان عليه الحال عام 2014م.
لقد شهدت اليمن بعد عام 2015م انخفاضًا مستمرًا في نموها الاقتصادي، وهذا التراجع في مؤشرات النمو الاقتصادي اليمني يعود إلى عدة عوامل، من أبرزها تأثير الحرب في الاقتصاد اليمني، كما أسهم الانقسام السياسي والانقسام المؤسسي في زيادة ذلك التراجع في مؤشرات النمو الاقتصادي؛ بسبب تأثير ذلك الانقسام في المؤسسات الحكومية والخاصة، ومع ضعف الرقابة أدّى إلى تقليل كفاءة المؤسسات، وزيادة الفساد.
ولهذا، سوف نحاول في هذا المحور إبراز ذلك التراجع في تلك المؤشرات الاقتصادية؛ نتيجة للأزمة والتحديات الراهنة التي لا يزال يعاني منها اليمن، واستنادًا إلى قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي في صندوق النقد الدولي المحدثة في أبريل 2025م؛ إذ تُشير البيانات إلى انكماش تراكمي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (بالأسعار الثابتة) في اليمن، والجدول رقم (1) يوضح ذلك.
جدول (1)
المؤشرات الاقتصادية في اليمن للمدة 2014 - 2025م[11]
|
المؤشر |
الناتج المحلي الإجمالي، الأسعار الثابتة |
الناتج المحلي الإجمالي، الأسعار الثابتة |
الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالأسعار الجارية |
التضخم، أسعار المستهلك في نهاية المدة |
إيرادات الحكومة العامة |
إجمالي الإنفاق الحكومي العام |
إجمالي الدين الحكومي العام |
|
الوحدات |
التغير التراكمي مقارنة بعام 2014 (%) |
التغيير السنوي في المائة (%) |
دولار أمريكي |
التغيير السنوي في المائة (%) |
النسبة المئوية للناتج المحلي الإجمالي (%) |
النسبة المئوية للناتج المحلي الإجمالي (%) |
النسبة المئوية للناتج المحلي الإجمالي (%) |
|
2014م |
-- |
-0.2 |
1,430 |
10.0 |
23.6 |
27.8 |
49.0 |
|
2015م |
-28.0% |
-28.0 |
1,362 |
34.0 |
10.7 |
19.4 |
57.7 |
|
2016م |
-34.7% |
-9.4 |
975 |
11.9 |
7.6 |
16.1 |
76.5 |
|
2017م |
-38.1% |
-5.1 |
811 |
46.7 |
3.5 |
8.4 |
83.8 |
|
2018م |
-37.6% |
0.8 |
634 |
35.9 |
6.4 |
14.3 |
86.9 |
|
2019م |
-36.3% |
2.1 |
623 |
1.4 |
7.3 |
13.2 |
91.5 |
|
2020م |
-41.7% |
-8.5 |
560 |
43.2 |
6.3 |
10.6 |
87.0 |
|
2021م |
-42.3% |
-1.0 |
522 |
50.4 |
7.3 |
8.2 |
75.9 |
|
2022م |
-41.4% |
1.5 |
616 |
-2.7 |
10.0 |
12.2 |
65.3 |
|
2023م |
-42.6% |
-2.0 |
493 |
23.8 |
6.1 |
11.8 |
77.9 |
|
2024م |
-43.4% |
-1.5 |
471 |
8.9 |
6.4 |
8.9 |
70.9 |
|
2025م |
-44.3% |
-1.5 |
417 |
31.0 |
5.9 |
9.6 |
71.2 |
يتبيّن من الجدول أن هذا الانكماش بلغ حوالي -44.3% عام 2025م مقارنة بعام 2014م، كما سجّل الاقتصاد اليمني انكماشًا سنويًا بنسبة بلغت -28.0% و-9.4% و-5.1% و-8.5% للأعوام 2015 و2016 و2017 و2020م على التوالي، وفي عام 2025م انكمش بنسبة -1.5%، وذلك نتيجة للحرب؛ إذ تراجعت كثير من الأنشطة الاقتصادية، لا سيما في القطاع الزراعي والصناعي وقطاع النقل؛ بسبب أزمة المشتقات النفطية، وتعطلت كثير من الأنشطة الاقتصادية مثل إنتاج وتصدير النفط والغاز، فضلًا عن تعليق دعم المانحين، وأزمات المشتقات النفطية المتكررة في معظم المحافظات اليمنية، وكل ذلك أسهم في زيادة نسبة التضخم.
تُقدَّر الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، المحتسبة بصورة أولية تصل إلى نحو 93.4 مليار دولار خلال المدة الممتدة من 2015-2019م[12]، وهذه تمثل الخسائر الاقتصادية (تكلفة الفرصة الضائعة)، وهي الفاقد في قيمة إنتاج المجتمع من السلع والخدمات في الناتج، ولا تشمل حجم الأضرار التي لحقت بالاقتصاد جراء الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي؛ إذ يتطلب تنفيذ مسح شامل لتقييم الأضرار بصورة أكثر دقة وموضوعية، ولا تدخل ضمن هذه الخسائر تقييم الأضرار المادية البشرية والتدمير الذي لحق بالبُنى التحتية والمنشآت الإنتاجية والخدمية، وتعطيل كثير من الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، إضافةً إلى الأزمات الحادة في السيولة النقدية والمشتقات النفطية والكهرباء والغذاء والمياه والنقل والتعليم والرعاية الصحية وغيرها، وبحسب الدراسة التي قام بها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، تصل تقديرات الخسائر الاقتصادية إلى حوالي 88.8 مليار دولار في حال توقف الحرب في عام 2019م[13]، ولا شك أن حجم الخسائر الاقتصادية حاليًا قد ارتفعت كثيرًا، وهي بحاجة إلى تقييم من قبل الجهات المختصة، التي يمكن تقديرها بأكثر من 180 مليار دولار تقريبًا.
نتيجة للانكماش الاقتصادي واستمرار الأزمات الحادة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتوقف الكثير من المشروعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، التي أوجدتها ظروف الحرب والصراع، إضافة إلى الأزمات الحادة في السيولة النقدية والمشتقات النفطية والكهرباء والغذاء والمياه والنقل والتعليم والرعاية الصحية وغيرها، فقد تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1,430 دولارًا أمريكيًا للفرد سنويًا عام 2014م إلى 417 دولارًا أمريكيًا للفرد سنويًا عام 2025م، وهو ما يمثل خسارة بمقدار 1,014 دولارًا أمريكيًا خلال المدة 2014 - 2025م (انظر الجدول (1))؛ مما يعني انزلاق مزيد من السكان تحت خط الفقر، وتزايد حدة الأزمة الإنسانية، والتدني الشديد لمستوى معيشة المجتمع.
كان القطاعان الحكومي والعام يؤديان دورًا محوريًا ومهمًا في تحريك عجلة الاقتصاد اليمني، وكان يُساهم بحوالي 46% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014م قبل الحرب، ويوظف حوالي 31% من السكان العاملين، ويدفع مرتبات 1.25 مليون موظف في مؤسسات الدولة، ويموّل الإعانات النقدية لحوالي 1.5 مليون حالة فقيرة من صندوق الرعاية الاجتماعية[14]، ومنذ عام 2015م تأثّرت الموازنة العامة للدولة بشكل كبير نتيجة الحرب والأزمة السياسية والصراع في اليمن؛ إذ انخفضت إيرادات الحكومة كنسبة مئوية للناتج المحلي الإجمالي من 23.6% عام 2014م إلى 5.9% عام 2025م، وقد ترتب على ذلك تناقص في مستوى النفقات بصورة متسلسلة؛ إذ انخفض إجمالي الإنفاق الحكومي العام للناتج المحلي الإجمالي بنسبة مئوية من 27.8% عام 2014م إلى 9.6% عام 2025م، وترتب على وضع الموازنة العامة للدولة تراكم إجمالي الدين الحكومي العام، الذي ارتفع كنسبة للناتج المحلي الإجمالي من 49.0% عام 2014م إلى 71.2% عام 2025م (انظر الجدول (1)).
وهذه الحالة انعكست على الوضع المالي للدولة بالاختلال العميق والتدهور الشديد؛ إذ دخلت المالية العامة في أزمة حادة برزت ملامحها في: ارتفاع عجز الموازنة، وارتفاع نسبة الدين المحلي نتيجة تراجع الإيرادات العامة بمصادرها كافة (الإيرادات الضريبية وغير الضريبية والنفطية وفائض أرباح المؤسسات العامة)، وفي المقابل توقفت النفقات الاستثمارية، وانخفضت النفقات العامة الجارية إلى أدنى مستوياتها، وعدم وفائها بالحد الأدنى من المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك النفقات التشغيلية ونفقات الأجور والمرتبات لجزء كبير من موظفي الدولة، إلى جانب تعثر برامج الحماية الاجتماعية، وتوقف برامج الإنفاق العام الاجتماعي والتنموي، فضلًا عن انقسام المؤسسات المالية والنقدية، وغياب البيانات الموحدة للمالية العامة[15].
إن معدل تضخم أسعار المستهلك أحد أهم المؤشرات التي تُعبر عن حالة الاستقرار الاقتصادي في البلد، وله تأثير مباشر في القيمة الحقيقية لدخل الأسر، وقدرتها على الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية، مثل الغذاء والكساء والتعليم والصحة والسكن والنقل، ومن ثَمَّ يؤثر بدرجة قوية في مستويات الفقر، وتظهر البيانات التي يوضحها الجدول (1) أن المواطن اليمني تعرض لموجات تضخم أكثر شدة منذ الحرب على اليمن عام 2015م؛ إذ ارتفع معدل التضخم من 10.0% عام 2014م إلى 34% عام 2015م، ليصل إلى 46.7% عام 2017م، وفي عام 2021م بلغ 50.4%، وفي عام 2025م بلغ 31.0%، وترجع هذه التطورات في معدلات التضخم إلى عدم الاستقرار في أسعار السلع والخدمات وقصور المعروض منها في الأسواق المختلفة، والظروف المتغيرة في السوق النقدية، وظروف العرض النقدي غير المسيطر عليه من قبل البنك المركزي في كل من عدن وصنعاء، والإجراءات المتخذة من قبل البنكين في عمليات التداول النقدي[16].
يُعد سعر صرف الدولار من المؤشرات الأكثر خطورة التي تؤثر بقوة في مستويات الأمن الغذائي والفقر ومستوى المعيشة، وبدون توفير مستدام لتغطية الواردات من السلع الغذائية والأساسية بالعملة الصعبة تزداد الضغوط على تدهور قيمة العملة الوطنية؛ مما يزيد معاناة الفقراء وذوي الدخل المحدود.
يبيّن الشكل (1) أن سعر صرف العملة المحلية شهد تدهورًا ملحوظًا؛ إذ ارتفع متوسط سعر الصرف في السوق الموازي من 214 ريال/دولار عام 2015م إلى 586 ريال/دولار عام 2019م، ومع انقسام البنك المركزي اليمني إلى فرعين: صنعاء وعدن، مما أدّى إلى اختلاف السياسات النقدية، وإصدار عملات جديدة في مناطق الحكومة ورفضها في مناطق حكومة صنعاء، وفي عام 2022م ارتفع سعر الصرف إلى 1,300 ريال/دولار في عدن مقابل 550 ريال/دولار في صنعاء، وفي نهاية شهر مايو 2025م تدهور سعر الصرف في عدن؛ إذ بلغ سعر صرف الريال أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازي 2,533 ريالًا/دولار في المناطق الجنوبية[17]، وبدأ بالتراجع خلال شهر يوليو 2025م بعد الإجراءات الأخيرة للبنك؛ ليصل الصرف إلى 1,630ريالًا/دولار في شهر يوليو 2025م، مقابل 531 ريالًا/دولار في المناطق الشمالية، وعلى الرغم من هذا التحسن الطفيف لا يزال التدهور النقدي متفاقمًا بين البنكين؛ مما يعني وجود فجوة كبيرة في سعر الصرف داخل البلد الواحد، وهو ما يمثل أحد أبرز قضايا الاقتصاد السياسي في اليمن مستقبلًا، وعن طريق المتوسط الوطني لسعر الصرف يمكن الاستدلال على مقدار التدهور في قيمة العملة الوطنية؛ إذ ارتفع سعر صرف العملة الوطنية من 214 ريالًا/دولار عام 2014م إلى 1,081 ريالًا/دولار في المتوسط الوطني حتى نهاية شهر يوليو عام 2025م، بنسبة ارتفاع 405%.
لقد أدى الاقتصاد السياسي دورًا في تفاقم أزمة سعر الصرف وأزمة السيولة في ظل انقسام السلطة النقدية بعد قرار نقل عمليات البنك المركزي إلى عدن، ومن ثَمَّ وجود بنكين مركزيين في عدن وصنعاء، وكلا البنكين يعملان بإمكانات محدودة وبيئة عمل معقدة، وأسهمت جملة من العوامل بشكل سلبي في تغيرات سعر الصرف، تضمنت أبرز هذه العوامل:
ويُعد سعر صرف الدولار من المؤشرات الأكثر خطورة التي تؤثر بقوة في مستويات الأمن الغذائي والفقر ومستوى المعيشة، وبدون تغطية واردات القمح والدقيق والأرز والسكر والزيت والحليب بالعملة الصعبة تزداد الضغوط على تدهور قيمة العملة الوطنية؛ مما يزيد معاناة الفقراء وذوي الدخل المحدود وشدة انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في بلد يستورد حوالي 90% و100% من احتياجاته من القمح والأرز على التوالي. مع غياب مصادر مستقرة للنقد الأجنبي، أدّت السياسة النقدية التوسعية إلى تسريع وتيرة الانخفاض في قيمة الريال اليمني، ونظرًا لاعتماد اليمن الكبير على الواردات، فقد انتقل تأثير ضعف العملة إلى الأسعار المحلية؛ مما أدّى إلى تآكل القوة الشرائية[19].
يُعد الفقر في اليمن ظاهرة ممتدة[20]؛ إذ حدد مسح ميزانية الأسرة عام 1998م نسبة السكان تحت خط الفقر عند 40.1%[21]، على ورغم انخفاض نسبة الفقر إلى 34.8% في عام 2005م، إلا أن سلسلة الصدمات الاقتصادية والسياسية التي تعرض لها الاقتصاد الوطني قوضت تلك النتائج؛ ليرتفع الفقر مجددًا إلى حوالي 48.6% في عام 2014م؛ مما يعني أن واحدًا من كل اثنين من يمنيين تقريبًا يعيش تحت خط الفقر الوطني، بمبلغ وقدره 163,528 ريالًا يمنيًا للفرد خلال السنة بالأسعار الثابتة على مستوى الجمهورية، الذي قُدّر بحوالي 13,627 ريال شهريًا[22]، ما يعادل 64 دولارًا للفرد في الشهر بأسعار عام 2014م (1 دولار= 214 ريالًا).
وارتفعت نسبة السكان تحت خط الفقر الوطني إلى 77.9% عام 2017م؛ إذ جرى تقدير خط الفقر الإجمالي عند 162,528 ريالًا يمنيًا للفرد في السنة باستخدام نهج تكلفة الاحتياجات الأساسية[23]، الذي قُدّر بحوالي 13,544 ريالًا يمنيًا شهريًا، وهو تقريبًا نفس خط الفقر في عام 2014م، غير أنه يعادل 36.6 دولارًا للفرد في الشهر بأسعار عام 2017م (1 دولار = 370 ريالًا)، وتشير التقديرات إلى ارتفاع نسبة السكان تحت خط الفقر إلى حوالي 80% عام 2023م، ما يعني زيادة عدد الفقراء وتردي الأوضاع المعيشية.
يلاحظ من خلال الشكل (2) أن العلاقة بين نسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر (%)، والناتج المحلي الإجمالي للفرد بالأسعار الجارية (دولار أمريكي)، وبالتالي تأثر النمو الاقتصادي. فقد أدّى تراجع النمو الاقتصادي إلى تدهور متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1,430 دولارًا للفرد سنويًا عام 2014م إلى 493 دولارًا للفرد عام 2023م، في المقابل، ارتفعت نسبة السكان تحت خط الفقر من 48.6% عام 2014م إلى 80% عام 2023م، وهذه العلاقة لا تقتصر على بيان ظاهرة الفقر وتطورها عن طريق خطوط الفقر وحدها، وإنما يمكن الاستدلال عليها عن طريق مؤشرات متعددة اقتصادية واجتماعية؛ إذ ارتبطت مشكلة الفقر في اليمن برباط وثيق مع ضعف الأداء الاقتصادي والصدمات الخارجية والداخلية التي تعرض لها الاقتصاد اليمني، الذي انعكس بصفة عامة في مجموعة الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحالة السياسية في البلاد، ويؤدي النزاع - عن طريق الحد من النمو الاقتصادي وتدمير آليات إعادة التوزيع - إلى زيادة مستويات الفقر؛ فإن النزاع الذي يستمر مدة سبع سنوات يقلل الدخل بنسبة 15% ويزيد الفقر بنسبة 30%؛ مما يجعل البلدان في حالة فقر مزمن وهيكلي[24].
تُعدّ مشكلة البطالة أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد السياسي في اليمن، لا سيما أنها تتركز في أوساط الشباب، وقد سجل معدل البطالة ارتفاعًا واضحًا منذ بداية الحرب على اليمن منذ عام 2015م، فقد تفاقمت البطالة وانعدمت فرص العمل نتيجة الآثار الناجمة عن تداعيات الحرب على اليمن.
ومع تراجع الوضع الاقتصادي، أدّى ذلك إلى زيادة في معدلات البطالة، التي ارتفعت من 13.5% عام 2014م[25] إلى 29.9% عام 2018م، لتصل إلى 32% عام 2019م. انظر: الشكل (3)، ومن المتوقع أن تكون أعلى من ذلك في الوقت الحالي، تتجاوز 40% من القوى العاملة، ومن ثَمَّ فإن تنامي هذه الظاهرة بهذا المستوى المقلق لا يعكس حجم التداعيات والآثار السلبية على مستقبل التنمية البشرية ومستوى معيشة السكان فحسب، وإنما أيضًا تنسحب آثاره أيضًا على زعزعة الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي والسكينة في المجتمع.
ومن خلال تلك المؤشرات الاقتصادية - التي ارتبطت بشكل مباشر بالعامل السياسي - يتبين أن العلاقة صارت بين السياسة والاقتصاد معقدة ومتشابكة، وأثّرت بذلك القرارات السياسية في النشاط الاقتصادي، وكذلك أثّرت التحديات الاقتصادية في الاستقرار السياسي، ومن هذه العلاقة المعقدة تشكلت التحديات الكبيرة أمام النهضة التنموية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن، كما أن ضعف المؤسسات وتجزؤ قدراتها وتباين القرارات المتعلقة بالسياسات في مختلف المناطق قد خلق تشوهات كبيرة، أدّت إلى تفاقم الأزمة[26].
ويلاحظ من الشكل أن هناك ارتفاعًا في معدلات البطالة، وهنا ينبغي أن تركز التوجهات المستقبلية للاقتصاد السياسي في اليمن على استهداف زيادة برامج التمكين الاقتصادي، وزيادة مشاريع الأمن الغذائي وسبل العيش للفقراء، وكذلك زيادة نسبة الشباب الحاصلين على وظائف من المتقدمين عن طريق مكاتب العمل.
أظهر تقرير التنمية البشرية العالمي لعام 2025م أن اليمن حقق المرتبة 184 من 193 دولة[27]، ما يضعها ضمن أقل البلدان نموًا، وتقع ضمن الدول منخفضة التنمية البشرية، وهذا تراجع بمقدار 20 مرتبة مقارنة مع المرتبة 160 التي سجلتها اليمن في تقرير التنمية البشرية لعام 2013م[28]، وقد خلص التقرير الأول المعنون بـ: «تقييم تأثير الحرب على التنمية في اليمن»، الذي صدر في أبريل 2019م عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، إلى أن السنوات الخمس الأولى من الحرب قد تسبب بالفعل في تراجع التنمية البشرية لأكثر من عقدين من الزمن[29].
كما تبيّن من نتائج دليل تحديات التنمية لعام 2021م أن اليمن هو البلد الثاني الذي يواجه أشدّ التحديات التنموية على مستوى العالم من بين 159 بلدًا؛ مما يعني أنه لا يزال في فئة التحديات المرتفعة جدًا، وقد تراجع ترتيبه بمقدار 26 مركزًا مقارنة بعام 2000م[30]، وتعود الزيادة في تحديات التنمية في اليمن بشكل أساسي إلى تدهور فاعلية الحكومة، وقد أدّت النزاعات إلى إلحاق أضرار جسيمة بالهياكل الأساسية والخدمات العامة، وإلى تعطيلها[31].
مما يدل على أنّ الاقتصاد اليمني لا يتأثّر بالصراع وتداعياته السلبية فحسب، بل يُعاني أيضًا من أوجه ضعف شديدة تقترن بالاضطراب وعدم اليقين على المستوى السياسي[32].
إن التركيز على بناء القدرات البشرية عن طريق إصلاح المنظومة التعليمية وتحديث المناهج التعليمية من أجل إحلال المعرفة في اليمن، والاستفادة من تجارب الدول التي استثمرت في مجال التعليم والتنمية يمكن أن يعوض هذه الخسارة الكبيرة التي تُعاني منها اليمن، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تحسينات كبيرة في مستقبل الاقتصاد السياسي في اليمن، وتطوير سياسات فعّالة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد؛ إذ يكتسب تعزيز وضع التنمية البشرية والحماية للنساء وللأطفال أهمية كبيرة لمستقبل اليمن، ويمثل أولوية ملحّة وضرورة عاجلة تتيح فرصًا أوسع لبناء التنمية والسلام والاستقرار السياسي.
أدّت الحرب على اليمن إلى انهيار فعلي للخدمات الاجتماعية الأساسية، بما في ذلك نظام الرعاية الصحية اليمني الهش، كما تفاقمت الأوضاع في اليمن في الخدمات التعليمية، وخدمات الكهرباء والطاقة، وخدمات المياه والصرف الصحي، وأسهم الانقسام السياسي والمؤسسي في زيادة معاناة المواطنين وتعميق الفجوة والتمايُز الاقتصادي والاجتماعي بين السكان، وهذه الأوضاع أدّت إلى ضعف العدالة الاجتماعية.
تمثل الصحة محورًا أساسيًا من محاور التنمية الشاملة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية؛ إذ يُعد القطاع الصحي من أهم القطاعات التي تمس حياة الإنسان ووجوده، وهو قطاع أساسي لتمكين المواطن من التمتع بحياة مثمرة اجتماعيًا واقتصاديًا وتحقيق التنمية البشرية.
تعرَّضت المنشآت الصحية لأضرار أو للدمار، وكثيرًا ما استُهدِف العاملون في مجال الرعاية الصحية طوال الحرب، وهو ما تمخَّض عن انخفاض توافر البنية التحتية والموارد البشرية اللازمة لتقديم الخدمات الصحية؛ إذ تعرّض نحو 38% من المرافق الصحية في اليمن إلى درجة معينة من الأضرار، وتبيّن أن حوالي 2% من المرافق الصحية قد دُمرت بالكامل، وتحتل مدينة صعدة المرتبة الأولى من حيث مستوى الأضرار؛ إذ تُشير التقارير إلى تعرض 78% من مرافقها الصحية لأضرار جزئية أو تدمير كلي، وتأتي تعز في المرتبة الثانية من بين المدن الأكثر تضررًا؛ إذ تعرضت 50% من مرافقها الصحية إما لأضرار جزئية أو تدمير كلي[33].
وبالنسبة للوضع التشغيلي، فقد أدّت الهجمات على منشآت البنية التحتية الصحية (والبنية التحتية التي يعتمد عليها تقديم الخدمات الصحية مثل الطرق والكهرباء والمياه)، إلى جانب نقص الموارد البشرية في قطاع الصحة والإمدادات، إلى انخفاضات حادة في جودة وإمكانية الحصول على الخدمات الصحية[34]، وتُشير خطة الاستجابة الإنسانية في العام 2025م إلى أن المرافق الصحية التي جرى تقييمها أن 35% تعمل من أصل 5,345 مرفقًا صحيًا بصورة جزئية، ولا تعمل 5% منها[35]، وأن ثُلثي السكان لا يمكنهم الحصول على الرعاية الصحية؛ إذ تأثرت صحة الأم والطفل بالحرب على اليمن، وتصنف التقديرات الأمهات والأطفال على أنهم فئة شديدة الضعف؛ إذ تُتوفى أم واحدة وستة أطفال حديثي الولادة كل ساعتين بسبب المضاعفات أثناء الحمل أو الولادة[36].
وللاستدلال على الاقتصاد السياسي لقطاع الصحة، يبيّن مؤشر معدل وفيات الأطفال - بحسب خُمس الثروة - العلاقة بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة ووفيات الأطفال دون سن الخامسة[37]، كما نلاحظ أن التحدي الأساسي للاستمرار نحو تحقيق تقدم ملحوظ في مؤشرات صحة الطفل يكمن في تحقيق الإنصاف وعدالة توزيع الخدمات على مستوى الفئات الفقيرة والضعيفة والمحرومة؛ إذ يرتفع معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بين الفئات الفقيرة - بحسب خُمس الثروة - ليصل إلى أعلى مستوى له في خُمس الثروة الأدنى (الخُمس الأكثر فقرًا) بمعدل 56 وفاة لكل 1,000 ولادة حية عام 2023م، مقارنةً بمعدل 26 وفاة في خُمس الثروة الأعلى (الخُمس الأقل فقرًا)، ويكون أطفال الريف أكثر عُرضة للوفاة قبل بلوغهم سن الخامسة، بواقع 44 وفاة لكل 1,000 ولادة حية، مقارنةً بنحو 30 وفاة بين أطفال الحضر[38].
يتبيّن من الشكل رقم (4) أن وضع قطاع الصحة في اليمن لا يزال يعاني من الآثار التراكمية أكثر من نصف عقد من الحرب والركود الاقتصادي والانهيار المؤسسي، بالإضافة إلى ذلك، لا تعمل سوى النصف من تلك المنشآت الصحية تقريبًا، ويُعاني النظام من نقص حاد في الموارد البشرية والإمدادات، ويعتمد النظام الصحي في اليمن في المقام الأول على التمويل الخارجي لتقديم الخدمات الأساسية، ما يجعله عرضةً للتقلبات، كما تُفيد بعض التقارير بأن الإنفاق العام على الصحة يكاد يكون معدومًا مع الانكماش الشديد في الاقتصاد اليمني بسبب الحرب؛ لذلك يعتمد تقديم الخدمات الصحية اعتمادًا كبيرًا على التمويل من الشركاء الخارجيين والجهات المانحة [39].
وهذا الوضع يزيد من تعرُّض الناس للفقر الناجم عن النفقات الصحية الشخصية، ويؤدي بهم الإنفاق على الصحة من أموالهم الخاصة إلى زيادة الفقر؛ مما يُسهم في زيادة نسبة الفقر في اليمن، ومن ثَمَّ، فهي تشكّل تحديًا رئيسًا أمام القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان في اليمن.
إن تزايد الضغوط على القطاع الصحي في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها اليمن يجعل القطاع الصحي يمثل قضية ذات أولوية أمام الالتزام السياسي بالصحة والحد من العواقب الاجتماعية والاقتصادية والتنموية بالنسبة للجيل الحالي والمستقبلي في اليمن، وكذلك أهمية التزام اليمن السياسي بأهداف التنمية المستدامة 2030م وتحسين وضع اليمن في التنمية البشرية، ولهذا، يتطلب من أصحاب القرار الاهتمام بالقطاع الصحي، وإنشاء مستشفيات كبيرة، وتجهيزها بما يلبي الاحتياجات الصحية لليمنيين، وتشجيع الكادر الطبي والصحي بالمزايا التي تُساعدهم على الاستقرار بدلًا من الهجرة إلى الخارج، وكذا الاهتمام بالصناعات الدوائية المحلية، وتشجيع الاستثمار فيها من أجل التوطين الدوائي بدلًا من استيراده من الخارج.
يُعاني قطاع التعليم في اليمن من أضرار جسيمة بسبب الحرب وانعدام الأمن الاقتصادي والانقسام السياسي والمؤسسي؛ مما أدّى كل ذلك إلى انقطاع نسبة كبيرة من الأطفال عن التعليم، وتوقف المعلمين عن التدريس لعدم تسلّم رواتبهم. تُشير النتائج في 16 مدينة جرى تقييمها خلال المرحلة الثالثة من التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن عام 2020م إلى تعرّض حوالي 35% من المرافق التعليمية إلى درجة معينة من الأضرار، و3% جرى تدميرها بالكامل، وبلغت نسبة المنشآت التعليمية العاملة التي جرى تقييمها نحو 80%، وتمثل المدارس الثانوية النسبة الأعلى من المنشآت غير العاملة[40].
كما لم تُصرف أغلب رواتب المعلمين في بعض المناطق لسنوات عدة؛ مما يؤثر سلبًا في ظروف عمل المعلمين وجودة التعليم، وهناك نقص في الكُتب المدرسية، بالإضافة إلى ذلك، يشكّل نقص الخدمات الأساسية - المياه والصرف الصحي والكهرباء - وانعدام الأمن حول المدارس تحديات كبيرة، إضافة إلى استخدام بعض المدارس ملاجئ للنازحين؛ الأمر الذي فرض مزيدًا من القيود على حق الأطفال في الحصول على التعليم في تلك المجتمعات، ويُسهم الفقر المدقع والانهيار الاقتصادي في صعوبة حصول الأسر على التعليم لأبنائها، ولهذا تفضّل الأسر لأبنائها العمل على الدراسة.
وفي عام 2025م، فإن ما يقرب من 3.2 ملايين طفل يمني في سن المدرسة (6 إلى 17 عامًا) (1.7 مليون فتى و1.5 مليون فتاة) لا يذهبون إلى المدرسة[41]، ولهذا يتطلب الإسراع إلى إعادة ترميم المدارس وتجهيزها، وبناء مدارس بمواصفات تراعي ذوي الاحتياجات الخاصة، وتشجيع الكادر التربوي وتحديث المناهج، والاهتمام بالتعليم والتدريب المهني وكليات المجتمع والتوسع فيه ليشمل المدن الرئيسة والثانوية كافة؛ لما لذلك من أهمية لتلبية احتياجات سوق العمل من الأيدي العاملة والماهرة.
لقد كان للحرب على اليمن، والانقسام السياسي والمؤسسي تأثير كبير في أداء إمدادات المياه ومرافق الصرف الصحي في البلاد، فمن بين أصول المياه والصرف الصحي التي جرى تحليلها في المرحلة الثالثة من التقييم المستمر للاحتياجات عام 2020م، تضرر ما يقدّر بنحو 38% منها؛ إذ بلغت نسبة المرافق المتضررة 28% والمرافق التي تعرضت للتدمير 10%، ويختلف مستوى التشغيل في مرافق هذا القطاع اختلافًا كبيرًا من مرفق إلى آخر[42].
يُعد الحصول على المياه والصرف الصحي حقًا من حقوق الإنسان، ويُعدّ حصول الجميع على خدمات مياه الشرب والصرف الصحي من الأمور الحيوية، ليس فقط لتمتع الأفراد بصحة جيدة ورفاهيتهم، وإنما أيضًا لتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار السياسي، وذلك لأن هذه الخدمات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى الفقر والجوع وعدم المساواة، فعلى سبيل المثال: يُشير التقرير السنوي للأمم المتحدة حول المياه لعام 2019م (UN-Water, 2020a) إلى أن الحصول على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي من العناصر المساهمة بشكل كبير في تحديد مستوى التنمية والسلام والاستقرار السياسي والإغاثة الإنسانية.
ويُعد ضعف الحصول على المياه والصرف الصحي من أبرز أبعاد الحرمان المساهِمة في أبعاد الفقر بين الأسر؛ مما يؤدي إلى آثار اجتماعية وصحية وتعليمة واقتصادية، وتقويض قدرة الأطفال وأسرهم، ويزيد من الأعباء على المرأة، وذلك في ظل وجود تحديات كبيرة فيما يتعلق بضعف الحصول على المياه والصرف الصحي، لا سيما على مستوى إمدادات المياه وإمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي، والقدرات المؤسسية للجهات المعنية بالمياه والصرف الصحي.
ويبيّن الشكل (5) التفاوت في حالة الحرمان من المياه بين الأسر في اليمن وفقًا لمؤشر الفقر متعدد الأبعاد الوطني عام 2024م، ويظهر أن معدل الحرمان من المياه بلغ 26.4% من الأسر في اليمن، كما أن انتشار حالة الحرمان من المياه أعلى بشكل ملحوظ في المناطق الريفية بنسبة 35.9% مقارنة بالمناطق الحضرية بنسبة 6%، ووفقًا لتصنيف الثروة، تواجه الأسر الأشد فقرًا حرمانًا شديدًا من المياه بنسبة 68.2%، وهو أعلى 25 مرة من حالة الحرمان بين الأسر الأغنى 2.7%.
وفي إطار الاقتصاد السياسي، فإن توافر أنظمة قوية للمياه والصرف الصحي، يُساعد في تجنّب تفشي الأمراض، والحد من الأضرار الناجمة عن الصدمات الإنسانية، مما يحول دون إعاقة تقدم البلد نحو تحقيق التنمية المستدامة بسبب هذه الصدمات[43]، بما في ذلك تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وهذا يُبرز المياه والصرف الصحي في اليمن أحد المجالات ذات الأولوية، مما يتطلّب تعزيز الوصول إلى خدمات مستدامة وشاملة للمياه والصرف الصحي لجميع الأسر، وخصوصًا الأكثر فقرًا وتهميشًا، مع إيلاء اهتمام خاص بالأحياء الفقيرة في المناطق الحضرية، والمناطق الريفية النائية والمحرومة، والاحتياجات في الأوضاع الإنسانية والأزمات، وكذا الإسراع في التوسّع ببناء السدود والحواجز المائية، ومنع الحفر العشوائي من قِبَل الأهالي إلا بتراخيص رسمية من الجهات المختصة، والعمل على تشجيع المزارعين على استبدال أشجار القات بالخضروات والأشجار المثمرة؛ من أجل التقليل من هدر المياه التي يجري استغلالها لريّ شجرة القات، وكذا وضع خرائط خاصة للمواقع الصناعية للحد من استنزاف المياه في المناطق الصناعية الحالية والقريبة من المدن السكنية، التي تسبّب في جفاف آبار المياه، مثل ما هو حاصل في مدينة تعز وبعض المدن الأخرى التي تتركّز فيها بعض المصانع، لا سيما مصانع الألبان والزبادي التي تستهلك كميات كبيرة من المياه.
أدّت الحرب على اليمن والانقسام السياسي والمؤسسي إلى تدهور البنية التحتية لقطاع الطاقة في اليمن بشكل كبير، فحوالي 49% من أصول قطاع الكهرباء والطاقة التي جرى تقييمها - باستثناء الأبراج - تعرّضت لدرجة معينة من الأضرار المادية؛ إذ تعرّضت 5% من منشآت قطاع الكهرباء والطاقة للتدمير بشكلٍ كامل، كما أن السبب الأهم لتوقف منشآت الكهرباء والطاقة هو الآثار المادية التي لحقت بهذه المنشآت نتيجة الحرب، خصوصًا التحديات الناتجة عن أزمة الديزل، وعدم وجود صيانة مناسبة، وأعمال النهب التي تتعرّض لها منشآت هذا القطاع، إضافةً إلى عدم توافر التمويل اللازم، وفي جميع المدن الـ 16 التي شملها هذا التقييم القطاعي، بلغت نسبة المنشآت العاملة بشكلٍ كامل في قطاع الطاقة 12% فقط[44].
وبالنظر إلى مدى الأضرار، فإن الاقتصاد السياسي لقطاع الكهرباء يتطلّب العمل على النهج المرحلي الذي يركّز على استعادة توصيل الطاقة الكهربائية إلى المرافق الخدمية العامة الحيوية، وأن يحدد أولوية وتسلسل أعمال إعادة تأهيل الشبكات، وعلى المدى القصير، يمكن استعادة إمدادات الكهرباء العامة عن طريق الشبكات في المديريات والمحافظات، ومن شأن هذا أن يشمل استثمارات في شبكات النقل والتوزيع، فضلًا عن استعادة الروابط المتعلقة بالوقود وقطاع الطاقة الشمسية المدفوع من قِبَل القطاع الخاص، ولإعادة الشبكة الوطنية إلى الخدمة، فإن ذلك سيتطلّب إعادة إعمار البنية التحتية لقطاع الكهرباء على نطاقٍ واسع - بما في ذلك خطوط النقل ومحطات توليد الكهرباء والقدرات الجديدة على مستوى المنشأة - على المدى المتوسط إلى الطويل؛ لأنه لا يمكن أن تتحوّل اليمن إلى بلد صناعي دون أن يكون لها طاقة كهربائية تلبّي احتياجات السوق الاقتصادي، وتشجّع المستثمرين على الاستثمار في هذا القطاع، وكذا تشجيع المواطنين على استخدام الطاقة المتجددة في المدن والأرياف، وشراء الطاقة الفائضة منهم.
مما سبق يلاحظ أن الاقتصاد السياسي للخدمات الاجتماعية الأساسية سوف يتحسن مع تحرُّك اليمن نحو تحقيق السلام، كما يمكن تجاوز مثل تلك التأثيرات التي أسهم الانقسام السياسي في تفاقمها، ولهذا تكون نتائج تحليل العلاقة بين السياسة والاقتصاد بمقام أُسُس تحليلية مهمة لتحديد الأولويات وتسلسل احتياجات التعافي على نحو أكثر تفصيلًا، عن طريق تطوير سياسات فعّالة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، والتعافي وبناء السلام في البلاد، وتبنّي نهج دقيق نحو تحديد أولويات الاحتياجات وتسلسلها، الذي يجب أن يستند إلى ربط مسار التنمية الاقتصادية بجهود السلام والاستقرار السياسي في الخدمات الاجتماعية الأساسية.
أسهم الانقسام السياسي والمؤسسي في تعميق الأزمة الاقتصادية في اليمن عن طريق عدد من التأثيرات، ومن أبرزها ما يلي:
أدّت الحرب والصراع في اليمن إلى تقسيم البلاد ماديًا وإداريًا؛ إذ تفتّتت مؤسسات الدولة الرسمية وتحولت إلى ترتيبات حوكمةٍ هجينةٍ جديدة، وشهدت الإدارة العامة الرسمية وغير الرسمية في اليمن تحوّلاتٍ على مدار الصراع، وأصبحت الخطوط الفاصلة بين المؤسسات العسكرية والمدنية - الحكومية وغير الحكومية - غير واضحة بشكل متزايد، وبرزت قدرات جديدة شبيهة بالدولة في بعض أجزاء البلاد؛ مما عزّز حوكمة قوية بشكل مدهش، وتنمية ملحوظة في مناطق كانت مهمّشة وغير آمنة سابقًا، وفي أماكن أخرى، تضاءلت القدرات المؤسسية المحلية، بينما توقّف تقديم الخدمات العامة جزئيًا أو كليًا، وفي الوقت نفسه، شهدت بعض المناطق المحرومة بالفعل مزيدًا من التراجع في مستويات المعيشة[45].
أدى القرار الصادر في عام 2016 م، الذي قضى بنقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، وتغيير محافظ البنك المركزي وإعادة تنظيم مجلس إدارته - الأمر الذي أدى إلى وجود سلطتين منفصلتين في صنعاء وعدن - إلى حالة كبيرة من عدم الثقة في نظام إدارة المالية العامة[46].
ومن ثَمَّ عدم وجود موازنة مالية موحّدة؛ إذ لا تتشارك الحكومتان المتوازيتان في أي سياسة موحّدة يجري تنسيقها على مستوى البلد، بل إنه لا يوجد تعاون أفقي ورأسي حتى داخل أجهزتهما، وقد أدّت هذه الازدواجية في الأنظمة، والافتقار إلى تقاسم الموارد فيما بين الفروع، إلى تضاؤل الثقة في مؤسسة اقتصادية كانت في الأصل تعاني من سوء الأداء، حتى من قبل الصراع، ونتيجةً لهذا، لم تُصدَر أي موازنة موحّدة معتمدة للبلاد منذ العام 2014م.
وتأثّر تقديم الخدمات سلبًا نتيجةً لعدم وجود إيرادات الموارد للحكومة المركزية، وانخفاض تحصيل الإيرادات من جانب السلطات المحلية وغيرها والمؤسسات الحكومية العاملة في تقديم الخدمات[47].
ولم تُبدّد الحرب في اليمن ما تحقّق من مكاسب سابقة في التنمية البشرية فحسب، بل أعادتها إلى الخلف لعقدين من الزمن؛ إذ تراجعت مؤشرات التنمية في اليمن لمدة 21 عامًا على الأقل[48]، وإن تراجع مستوى عمل المرافق الخدمية في عدد من القطاعات لا يعكس الأضرار المادية فحسب، بل أيضًا عوامل أخرى مثل القدرة المؤسسية، وتوافر الموظفين، ودفع المرتبات، وتوافر الكهرباء.
أثّرت الحرب وما رافقها من انقسام سياسي ومؤسسي في تغيرات هيكلية في تركيب الاقتصاد اليمني، سواءً في القطاعات النفطية أم غير النفطية، على النحو الآتي:
إن التوصُّل إلى تسوية سلمية في اليمن قد يؤدي إلى انتعاش سريع لإنتاج النفط وصادراته، ومن ثمَّ يساعد على زيادة الحيز المتاح للمالية العامة، وتحسين أرصدة المعاملات الجارية، وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي، وتعزيز النمو الاقتصادي في الأمد المتوسط[50]، وكذلك الأمد الطويل.
ويقوم قطاعا الصناعة والخدمات بدور مهم في النشاط الاقتصادي عن طريق التشغيل؛ إذ يشغل قطاع الصناعة 12.2% من إجمالي قوة العمل، بينما يوفر قطاع الخدمات 46.9% من الأعمال والوظائف لعام 2014م[52]، وهو ما يبيّن أهميتهما في التوظيف.
وفي إطار الاقتصاد السياسي ينادي عدد من الاقتصاديين والخبراء بتبني السياسات الاقتصادية الرامية إلى زيادة معدل النمو الاقتصادي؛ من أجل تعزيز العمالة والحد من البطالة[53]، وإضافةً إلى ذلك، ينبغي تبني السياسات الرامية إلى تحقيق النمو في القطاعات الاقتصادية، في قطاع الخدمات وقطاع الزراعة والصناعة، وتحقيق التقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في ظل الظروف السياسية في اليمن.
ولهذا فإن انعدام الأمن الغذائي يُمثّل تحديًا في اليمن، لا سيّما بين الفئات الضعيفة من السكان. بلغت النسبة المئوية لأفراد الأسر الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي المعتدل إلى الشديد حوالي 75.1% على مستوى الجمهورية عام 2022م، بينما ترتفع إلى 80.6% في الريف مقابل 62.5% في الحضر، ويزداد انتشار انعدام الأمن بين أفراد الأسر الأشدّ فقرًا بنسبة 94.4%، وبنسبة 89.1% من أفراد الأسر الفقيرة يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو معرّضون له، وبدون تدخل للحد من انعدام الأمن المائي، يمكن أن ترتفع هذه النسبة أكثر؛ مما يزيد من خطر تعرض الناس لانعدام الأمن الغذائي، ويُعدّ انعدام الأمن الغذائي، وما ينتج عنه من مخاطر نقص وسوء التغذية، من العوامل الرئيسة المساهمة في انخفاض النتائج الصحية إلى دون المستوى الأمثل، لا سيما بين الأطفال.
أدّى الصراع بشكلٍ مباشر وغير مباشر إلى خفض توافر الغذاء والقدرة على تحمّل تكلفته، وللأسف لم تبرز المساعدات الإنسانية عاملًا قويًا ومؤثّرًا؛ إذ يُعدّ انعدام الأمن الغذائي مصدر قلق رئيس يومًا بعد يوم تتحمله الأسر اليمنية؛ نتيجة آثار الصراع على الغذاء؛ إذ يتأثّر توافر الغذاء والقدرة على تحمّل تكلفته بالنسبة للأسر بالأسواق والمؤسسات عن طريق صدمات الاقتصاد الكلي المتكررة، ويتحمّل اليمنيون هذا الوضع الصعب عن طريق استراتيجيات تكيّفٍ مختلفة، غالبًا ما تكون مدمرة، ويترتب على انعدام الأمن الغذائي الحاد عواقب طويلة الأجل، لا سيما على الأطفال، مما يتسبّب في سوء التغذية وتأخّر النمو، وتقويض رأس المال البشري المستقبلي للبلاد، وآفاق السلام ومسار التعافي[56] والاستقرار السياسي.
إن تعزيز دور الزراعة والأسماك في تحقيق الأمن الغذائي في اليمن يتطلّب العمل على تعزيز القدرات في مجال الإنتاج الزراعي والسمكي، كما يجب تحسين كفاءة إنتاج الأغذية، وكذلك التركيز على شراكة مؤسسية في إطار القطاع الزراعي والصناعي، التي تُسهم في تحسين توفير فرص عمل جديدة، وتُسهم في التخفيف من حدّة الفقر، والتركيز على زيادة الإنتاج الزراعي والسمكي وسُبل العيش.
كان لتحديات الوضع المؤسسي الناجم عن النزاع والحرب في اليمن آثار كبيرة في قدرة الأسر على الحصول على الخدمات الضرورية، بما في ذلك الصدمات التي تؤثّر في القدرة على تحمّل تكاليف الغذاء، ولها أيضًا آثار قوية على الحصول على عديد من الخدمات الأساسية؛ إذ تؤثّر تحديات التدهور المؤسسي بشكلٍ كبير في توافر الخدمات الأساسية والاجتماعية، ومن ثَمَّ الحصول عليها[57].
لقد عطّل النزاع والحرب دور المؤسسات في تقيم الخدمات الأساسية إلى حدٍّ كبير، وتفاقم ذلك الواقع بعد الانقسام في المؤسسات العامة، وتتّجه الهشاشة المؤسسية والتحديات المؤسسية نحو تدهور أشد بعد تجزّؤ المؤسسات العامة ومواردها البشرية، وقد نُقِلت مقرات عدد من المؤسسات العامة، مثل الوزارات والبنك المركزي، من صنعاء إلى عدن خلال النزاع، فعانت المؤسسات من خسارة الخبرات في الموارد البشرية، ونتيجةً لهذا السياق المكتنف بالهشاشة، مع ما يشهده من تبدّل مستمر في الهياكل والاحتياجات الديمغرافية، واجهت مؤسسات عامة عديدة مصاعب جمّة في التخطيط، ما يستلزم دعم التنمية المؤسسية لزيادة المِنعة المؤسسية، والحد من مخاطر التحديات المؤسسية[58].
السلام والأمن شرطان أساسيان لتهيئة بيئة مواتية للتنمية المستدامة، فالمجتمع السلمي، الخالي من المواجهات الداخلية والخارجية، يعزِّز الثقة اللازمة للمؤسسات الفعّالة والتقدّم الاجتماعي الاقتصادي.
وبحسب مؤشر السلام العالمي 2025م[59]، فقد حققت اليمن تقدمًا بمقدار 3 مراتب مقارنة بمؤشر السلام العالمي 2024م؛ إذ تحسّنت مرتبة اليمن من المرتبة 162 في مؤشر 2024م إلى المرتبة 159 في مؤشر 2025م، وعلى الرغم من أن هذا التحسُّن الذي يؤشر إلى وجود تعافٍ في اليمن، مع ذلك، لا يزال ترتيب اليمن ضمن الدول العشر الأقل سلمية على مستوى العالم وفقًا لمؤشر السلام العالمي 2025م، ومنذ عام 2015م، شهدت اليمن تدهورًا ملحوظًا بمقدار 12 مرتبة؛ إذ سجّلت المرتبة 147 في مؤشر 2015م[60]، وفي حين أن هذا التحسّن يزيد بدوره من فاعلية المؤسسات في تحريك سياسات التنمية المستدامة، فإن اليمن تواجه تحديات كبيرة.
وهناك عدة تحديات تواجه البناء المؤسساتي في الاقتصاد السياسي في المرحلة الانتقالية والتعافي في اليمن سوف يجري استعراضها.
تواجه المنطقة العربية - بما فيها اليمن - تحديات هيكلية متعددة، سياسية واجتماعية واقتصادية، ومما لا شك فيه أن التخطيط الإنمائي الوطني يؤدي دورًا حيويًا في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتحسين الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان[64].
تبرز تحديات وضع استراتيجيات إنمائية وطنية تستند إلى نُهُج كمية ونوعية قائمة، تُسهم في تحديد المقاييس الرئيسة وتطوير أداة للرصد، وتحديد المخاطر الرئيسة على أولويات التنمية الوطنية، بما فيها أهداف التنمية المستدامة، وإجراء مشاورات فنية مع الوزارات الوطنية المعنية لإدراج التخفيف من المخاطر والوقاية منها في استراتيجيات التنمية الوطنية[66].
إن المؤسسات القوية هي حجر الأساس لمجتمع يعمل بشكلٍ جيد؛ فهي تكفل صياغة السياسات، وتقديم الخدمات وتنفيذها، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، كذلك، هي ضرورية لتحقيق أي هدف من أهداف التنمية المستدامة، والمؤسسات العامة من أهم الجهات الفاعلة في صنع السياسات وتقديم الخدمات[67].
وفي الاقتصاد السياسي في اليمن، يُعدّ بناء مؤسسات الدولة أو إعادة بنائها من جديد شرطًا لا غنى عنه؛ لتحقيق الاستقرار وبناء السلام المستدام بعد الحرب والنزاع المسلّح، وعند انتهاء النزاع والحرب، وإنجاز المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب، يُعدّ النجاح في المرحلة الأولى المهمة الأكثر أهمية، ولكنه في الوقت نفسه الأكثر تحديًا وصعوبةً وتعقيدًا؛ إذ إن الاعتبارات السياسية واعتبارات الحوكمة - لا سيّما بناء مؤسسات حكومية فعّالة ومستجيبة - من القضايا الأساسية لصانعي السياسات لتعزيز الاستقرار السياسي، والتخطيط الاستراتيجي للتعافي المصمّم بعناية، انطلاقًا من الممارسات الدولية الجيدة، مع مراعاة السياق المحلي والتاريخي.
لقد أسهمت عدد من العوامل في التأثير في الاقتصاد السياسي في اليمن، ومن هذه العوامل التدخلات الإقليمية والدولية، وكان لمثل تلك التدخلات تأثيرًا سلبيًا في الاقتصاد اليمني، فيما عدا بعض التدخلات كان لها تأثير إيجابي، لا سيما تلك المتعلقة بالتدخلات الإنسانية والتنموية.
إن السبب الرئيس للاهتمام الإقليمي والدولي باليمن هو الموقع الاستراتيجي في مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وهي البوابة الرئيسة لتصدير النفط الخليجي للعالم، والمهم بالنسبة للسعودية والخليج عمومًا لتأمين مصالحهم هو الجغرافيا اليمنية، بحكم أن اليمن لها موقع جغرافي جعلها مطمعًا لكثيرٍ من القوى الاستعمارية عبر التاريخ؛ فنجد أن مضيق باب المندب، الذي يقع تحت السيادة اليمنية ويمر منه حوالي 6.2 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات النفطية، بالإضافة إلى أكثر من 30% من التجارة العالمية للغاز الطبيعي، فضلًا عن أكثر من 10% من إجمالي التجارة العالمية تمر من باب المندب، وعليه، فهذا الموقع المتميّز لليمن هو الضامن للحفاظ على مصالح دول الخليج الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية[68].
وكان للولايات المتحدة الأمريكية دور في الأزمة اليمنية، والأسباب الرئيسة التي دفعت أمريكا للتدخل في اليمن أبرزها ما يلي[69]:
كان لتلك التدخلات السياسية تأثير في استقرار الوضع السياسي والاقتصادي في اليمن، بل إن بعض تلك التدخلات أثّرت في السيادة الوطنية، بل أسهمت بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر في زيادة الانقسام السياسي والمؤسسي في اليمن، وتأثير ذلك التدخل في الاقتصاد اليمني وتدهوره، ومن ثَمَّ توافق وطني ضعيف في ظل استقطاب أطراف خارجية إقليمية ودولية.
وينبغي تبنّي مصالحة وطنية شاملة بين الأحزاب والمكونات السياسية ومختلف الفئات، على قاعدة العدالة وجبر الضرر، عن طريق حل سياسي سلمي يحقق السلام، ويقوم على احترام السيادة الوطنية والمصالح العليا للوطن.
كان لتلك التدخلات تأثير في تدمير البنية التحتية للمدارس والمعاهد والمستشفيات والجسور والمطارات والموانئ والمصانع والمنازل، كما راح ضحية تلك التدخلات العسكرية الكثير من المدنيين الأبرياء، وهذه التدخلات العسكرية - سواء كانت من قِبَل دول التحالف، أم التدخل العسكري الأمريكي والبريطاني، أم الصهيوني الإسرائيلي - قد دمرت البنية التحتية، وتسببت في تراجع الإنتاج وتوقفه في بعض الأماكن، وكذا تراجع التصدير، كما أسهمت تلك التدخلات في زعزعة الاستقرار الأمني، وزيادة العنف والصراعات؛ مما أثّر في تراجع الاستثمارات في الكثير من القطاعات.
ويجب السعي لاستئناف العملية السياسية وتحقيق السلام العادل الذي يحفظ للشعب اليمني كرامته وسيادته واستقلاله ووحدته.
أثّرت تلك التدخلات في الأوضاع الإنسانية، وهذا أدّى إلى الاستجابة الإنسانية الدولية، وأسهمت في التخفيف من حدّة الفقر والجوع والبطالة.
تُعدّ المنح والمساعدات الخارجية أحد أهم المصادر التمويلية الداعمة للوضع الاقتصادي والإنساني في اليمن؛ إذ تتجه معظم المساعدات الخارجية منذ عام 2015م نحو الجوانب الإغاثية والإنسانية في الغالب، وتهدف إلى توفير الاحتياجات الآنية للبقاء على قيد الحياة في الوقت الحالي، مع التوجيه المحدود لبعض هذه المساعدات نحو الجوانب التنموية.
اتّجهت متطلبات تمويل خطط الاستجابة الإنسانية إلى التزايد بشكلٍ عامٍ؛ إذ ارتفعت من 1.6 مليار دولار عام 2015م إلى 4.19 مليارات دولار عام 2019م، وتراجعت إلى 3.85 مليارات دولار عام 2021م، ثم ارتفعت إلى 4.34 مليارات دولار عام 2023م، وفي عام 2025م بلغت 2.48 مليار دولار، وهي تعكس شدّة الاحتياج لتمويل متطلبات الجوانب الإنسانية من التغذية، وخدمات الصحة، والتعليم، والمياه، والإيواء، وتوطين النازحين، وغيرها من المجالات الملحّة لتقديم المساعدات الإغاثية ومتطلبات الحياة، وتعزيز سُبل العيش، والحد من تزايد حدّة الأزمة الإنسانية في اليمن، وتأتي الاستجابة للتمويلات عند مستوى أدنى من الاحتياج للتمويلات، على رغم ارتفاعها من 0.88 مليار دولار عام 2015م إلى أعلى مستوى لها عند 3.64 مليارات دولار عام 2019م، وبنسبة تغطية بلغت 86.9% من إجمالي متطلبات تمويل الاحتياجات الإنسانية؛ فقد تراجعت نسبة التغطية هذه إلى 54.2% في عام 2022م، وإلى 40.9% لعام 2023م؛ لتصل إلى 20.4% حتى نهاية الربع الثالث من عام 2025م.
إن استمرار الصراع والحرب، وعدم التوصّل إلى سلامٍ مستدامٍ وتسويةٍ سياسيةٍ حقيقةٍ يضع نهاية لتلك الأزمات، وتوجّه الجهود والموارد لإعادة الإعمار والتعافي، وإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، كل ذلك يُلحِق أضرارًا بليغة بالسكان والحياة المعيشية والاقتصاد.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بُذلت للتغلب على فجوة الموارد المالية، إلا أن ذلك يُشير إلى وجود حالة من التراخي وضعف الاستجابة لدى الكثير من المانحين الدوليين تجاه الأزمة الإنسانية في اليمن، التي تمثل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، مما أثّر بشكلٍ كبير في الوضع الإنساني؛ الأمر الذي يتطلّب التفكير بحلولٍ جادّة لتخصيص المساعدات الإنسانية المتاحة بما يضمن حلولًا مستدامة للأشخاص المحتاجين، والتوجّه نحو دعم التنمية والتعافي الاقتصادي، بعيدًا عن الصدمات الخارجية التي تسهم في تقليص المساعدات الخارجية.
إن طبيعة تعقيد وتشابك قضايا الاقتصاد السياسي في اليمن، قد تجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل اليمن، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن استخدام مجموعة من السيناريوهات المبنيّة على ما سبق عرضه عن الاقتصاد السياسي في اليمن، والتأثيرات التي ترتّب عليه؛ للوقوف على السيناريوهات المستقبلية المتوقعة للاقتصاد اليمني في ضوء الأوضاع السياسية الراهنة، وقبل تحليل هذه السيناريوهات يمكن استعراض مؤشرات التعافي.
لتحليل الواقع للاقتصاد السياسي في اليمن ينبغي النظر في المؤشرات الي تُظهر التعافي في عام 2025م مقارنةً بما كان عليه الوضع في عام 2020م، ويمكن استعراض أبرز هذه المؤشرات بصورة عامة في اليمن، كما يلي:
تظهر خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2025م جملة من المؤشرات الإنسانية التي أظهرت تحسنًا يبيّن وجود تعافٍ وتجنب اللجوء إلى استراتيجيات التكيّف السلبية، بالإضافة إلى انخفاض حدّة الصراع؛ إذ انخفض عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية إلى 19.5 مليون شخص عام 2025م مقارنةً بنحو 24.3 مليون شخص في عام 2020م، كما تغيّرت مناطق الهشاشة وشدّة الاحتياجات بشكلٍ كبير في جميع أنحاء البلاد في عام 2025م مقارنةً بعام 2024م؛ إذ شهدت أكثر من رُبع مديريات اليمن (87 مديرية) تحسُّنًا في الوضع الإنساني بشكل ملحوظ.
من العوامل المهمّة الأخرى التي أسهمت في هذا التحسُّن: الانخفاض المستمر في مستويات الصراع النشط؛ مما أدّى إلى انخفاض النزوح المرتبط بالصراع، وتعزيز حرية حركة المدنيين، وفتح الطرق وتحسين الوصول إلى التجارة والخدمات العامة على طول خطوط المواجهة الرئيسة، مثل تعز ومأرب[70].
إن إعطاء الأولوية لإحلال سلام دائم ومستدام يُمثل العامل المحدد والأكثر أهمية للتعافي الناجح، وهو السلام المستدام، ويتعلق ذلك بكلٍ من شروط أي تسوية يجري التوصل إليها عن طريق التفاوض، فضلًا عن مسار التعافي بعد انتهاء النزاع، مع التركيز على تحسين الحوكمة وتعزيز المؤسسات[71].
يعتمد إعداد السيناريوهات على منهجية أكثر وضوحًا تشمل العناصر الآتية:
يقوم السيناريو الأساس على حالة الوضع الراهن (لا حرب ولا سلام) مع تضاءل حدّة استمرار الصراع كما هو الحال خلال السنوات السابقة منذ العام 2020م، واستمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، ومن ثَمَّ فإن هذا السيناريو يقوم على مجموعة الافتراضات الآتية:
وسيترتب على تحقق الافتراضات السابقة التي بُني عليها هذا السيناريو، وعن طريق اتجاهات النمو الاقتصادي، عدد من الآثار في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال المدة 2026-2030م. كما يبيّن الشكل (6) أن معدل نمو الاقتصاد اليمني خلال المدة 2026 - 2030م، وفقًا لسيناريو الأساس، يتراوح عند مستويات بين 0% و1.8%، وهي مستويات ضعيفة للنمو الاقتصادي، تُظهر بطء الأنشطة الاقتصادية؛ نتيجة استمرار الحالة السياسية الراهنة في اليمن كما يفترض السيناريو الأساس؛ مما يترك نصيب الفرد من الناتج المحلي دون تغيير ملموس، وهذا ينعكس بدوره على عدم تقليل الفقر عن مستواه 80%، بل وزيادة الفقر والبطالة بين السكان، وكذا توقّف أو غياب الكثير الأنشطة في القطاعات، سواءً في القطاع العام أم الخاص.
وفي إطار تحليل الاقتصاد السياسي، تعزّز هذه الحالة - بالتبعية - من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويغذي من الدوافع الانفصالية في المحافظات الجنوبية، في ظل الموقف شديد التعقيد للسلوك الاقتصادي والاقتصاد السياسي.
ومن منظور الاقتصاد السياسي في الخدمات الاجتماعية الأساسية التي تمس الحياة اليومية للسكان، فإن استمرار الحالة الراهنة للوضع الاقتصادي يؤدي إلى مزيد من المعاناة، وحالة عدم الثقة في الاستثمار، مما يزيد من مخاطر تهدد الوضع السياسي غير المستقر.
أما من منظور تحليل أبعاد الاقتصاد السياسي لمجتمع المانحين ذاته، فالأهداف والقيود السياسية والاقتصادية الخاصة بالمانحين تُعلي من شأن الأهداف الإنسانية على حساب بقية الأهداف، التي قد تكون لها الأولوية القصوى من منظور الدول محل أطراف الصراع.
وهذا يتطلب الأخذ في الحسبان هذه الأبعاد المباشرة وغير المباشرة والخارجية للاقتصاد السياسي في اليمن؛ مما يؤدي إلى اضطراب سياسي أو صراع غير مباشر، مع توسّع التدخل الخارجي الإقليمي والدولي المستقبلي داخل اليمن.
في سيناريو الاقتصاد السياسي المتفائل، سيناريو الدخول في الحوار السياسي والمصالحة الوطنية وإحلال السلام وإنهاء الصراع، في حالة الاتفاق بين الأطراف المتصارعة على الجلوس إلى طاولة الحوار، والبدء بالدخول في عملية بناء السلام، فإن ذلك سوف يؤثر في الاستقرار السياسي والأمني، ويساعد على التعافي الاقتصادي وزيادة الاستثمارات، وتحويل المساعدات الإنسانية إلى مساعدات تنموية وإعادة الإعمار، بما يسهم في التخفيف من الفقر والبطالة، وتحسين المستوى المعيشي للسكان، ومن ثَمَّ فإن هذا السيناريو يقوم على مجموعة الافتراضات الآتية:
سيترتب على تحقق الافتراضات السابقة التي بُني عليها هذا السيناريو، وعن طريق اتجاهات النمو الاقتصادي، عدد من الآثار في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال المدة 2026 - 2030م.
كما يمكن لمعدل نمو الاقتصاد اليمني - خلال المدة 2026 - 2030م، وفقًا للسيناريو المتفائل - أن يتراوح عند مستويات بين 4% و7.5%، كما هو موضح في الشكل (6)، وهي مستويات مرتفعة للنمو الاقتصادي، تُظهر زيادة الأنشطة الاقتصادية نتيجة وجود تسوية سياسية حقيقة في اليمن كما يفترض السيناريو المتفائل، ومن المحتمل أن تكون التوقعات أكثر من تلك النتائج مع توحيد المؤسسات، وتعزيز الثقة في الاقتصاد، والتدفق للاستثمارات الأجنبية والمحلية، وإعادة الإعمار، والانتقال به إلى مرحلة التعافي، والاستثمار في قطاعي الزراعة والصناعة للوصول إلى نهضة اقتصادية تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي.
فضلًا عن تحسُّن الظروف المالية، والتطورات المتعلقة بالاستقرار المالي، واستقرار وتحسُّن القوة الشرائية للعملة الوطنية، وانتظام صرف المرتبات، ومن ثَمَّ زيادة الإنفاق الاستهلاكي العام والخاص، تزامنًا مع انفراجة على مستوى الأوضاع المالية والنقدية المتعلقة بالظروف الاقتصادية الحالية.
ومن المتوقع أن تنعكس هذه النتائج بشكل إيجابي على تحسُّن كبير في نصيب الفرد من الناتج المحلي، وهذا ينعكس بدوره على تقليل معدلات الفقر والبطالة بمقدار النصف، ومن المتوقع انخفاض معدل الفقر من المستوى 80% إلى 40% بين السكان، ثم التخفيف من هذا المعدل إلى أقل من 30% بعد العشر السنوات الأولى من تحقيق السلام وإنهاء النزاع.
وينطوي الاقتصاد السياسي على حالة يقين متزايدة تُسهم في وجود بيئة مواتية تساعد على تخصيص رأس المال في مختلف القطاعات، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية العامة، ومشاريع القطاع الخاص، ومن ثَمَّ تحقيق فوائد اقتصادية على المدى المتوسط إلى الطويل.
ومن منظور الاقتصاد السياسي فإن تقدُّم مستوى الدخول في الحوار السياسي والمصالحة الوطنية وإحلال السلام يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لوضع الأساس السياسي لبيئة اقتصادية داعمة؛ إذ يمكن للأنشطة الاقتصادية الأخرى أن تنمو وتزدهر.
مما سبق، يمكن التوصل إلى أن مستقبل اليمن متوقف على مدى الفاعلية في استخدام السيناريو المناسب الذي يسهم في الحد من الصراع، وأن الاقتصاد السياسي في إطار الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية سيؤدي إلى نقلة كبيرة في مستقبل اليمن.